«فَإِنْ قِيلَ» : مَا الْفَائِدَةُ فِي أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ المنافقين الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وهاهنا قَالَ فِي صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) فَلِمَ ذَكَرَ فِي الْمُنَافِقِينَ لَفْظَ (مِنْ) وَفِي الْمُؤْمِنِينَ لَفْظَ أَوْلِياءُ؟
قُلْنَا: قَوْلُهُ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نِفَاقَ الْأَتْبَاعِ، كَالْأَمْرِ الْمُتَفَرِّعِ عَلَى نِفَاقِ الْأَسْلَافِ، وَالْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ نِفَاقَ الْأَتْبَاعِ وَكُفْرَهُمْ حَصَلَ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ لِأُولَئِكَ الْأَكَابِرِ، وَبِسَبَبِ مُقْتَضَى الْهَوَى وَالطَّبِيعَةِ وَالْعَادَةِ، أَمَّا الْمُوَافَقَةُ الْحَاصِلَةُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّمَا حَصَلَتْ لَا بِسَبَبِ الْمَيْلِ وَالْعَادَةِ، بَلْ بِسَبَبِ الْمُشَارَكَةِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) .