فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 2716

(قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ...(144)

قَوْلُهُ: (تَرْضاها فِيهِ وُجُوهٌ) .

أَحَدُهَا: تَرْضَاهَا تُحِبُّهَا وَتَمِيلُ إِلَيْهَا، لِأَنَّ الْكَعْبَةَ كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهَا بِحَسَبِ مَيْلِ الطَّبْعِ، قَالَ الْقَاضِي: هَذَا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً) يَمِيلُ طَبْعُكَ إِلَيْهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي حِكْمَتِهِ تَعَالَى فِيمَا يُكَلِّفُ، وَيَقْدَحُ فِي حَالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا يُرِيدُهُ فِي حَالِ التَّكْلِيفِ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الطَّعْنَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا حَوَّلْنَاكَ إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي مَالَ طَبْعُكَ إِلَيْهَا بِمُجَرَّدِ مَيْلِ طَبْعِكَ فَأَمَّا لَوْ قَالَ: إِنَّا حَوَّلْنَاكَ إِلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي مَالَ طَبْعُكَ إِلَيْهَا لِأَجْلِ أَنَّ الْحِكْمَةَ وَالْمَصْلَحَةَ وَافَقَتْ مَيْلَ طَبْعِكَ فَأَيُّ ضَرَرٍ يَلْزَمُ مِنْهُ

وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»

فَكَانَ طَبْعُهُ يَمِيلُ إِلَى الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ.

وَثَانِيهَا: (قِبْلَةً تَرْضاها) أَيْ تُحِبُّهَا بِسَبَبِ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ.

وَثَالِثُهَا: قَالَ الْأَصَمُّ: أَيْ كُلَّ جِهَةٍ وَجَّهَكَ اللَّهُ إِلَيْهَا فَهِيَ لَكَ رِضًا لَا يَجُوزُ أَنْ تَسْخَطَ، كَمَا فَعَلَ مَنِ انْقَلَبَ على عقيبه مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، فَلَمَّا تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ ارْتَدُّوا.

وَرَابِعُهَا: (تَرْضاها) أَيْ تَرْضَى عَاقِبَتَهَا لِأَنَّكَ تَعْرِفُ بِهَا مَنْ يَتَّبِعُكَ لِلْإِسْلَامِ، فَمَنْ يَتَّبِعُكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ مَالٍ يَكْتَسِبُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت