لَفْظُ النَّدَمِ وُضِعَ لِلُّزُومِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّدِيمُ نَدِيمًا لِأَنَّهُ يُلَازِمُ الْمَجْلِسَ.
وَفِيهِ سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»
فَلَمَّا كَانَ مِنَ النَّادِمِينَ كَانَ مِنَ التَّائِبِينَ فَلِمَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ؟
أَجَابُوا عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْلَمِ الدَّفْنَ إِلَّا مِنَ الْغُرَابِ صَارَ مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَهْرِهِ سَنَةً،
وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَارَ مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ، لِأَنَّهُ لَمْ ينتفع بقتله، وسخط عليه بسببه أبواه وَإِخْوَتُهُ، فَكَانَ نَدَمُهُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ لَا لِكَوْنِهِ مَعْصِيَةً، وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَدَمَهُ كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهُ تَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ اسْتِخْفَافًا بِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فلما رأى أن الْغُرَابَ دَفَنَهُ نَدِمَ عَلَى قَسَاوَةِ قَلْبِهِ وَقَالَ: هَذَا أَخِي وَشَقِيقِي وَلَحْمُهُ مُخْتَلِطٌ بِلَحْمِي وَدَمُهُ مُخْتَلِطٌ بِدَمِي، فَإِذَا ظَهَرَتِ الشَّفَقَةُ مِنَ الْغُرَابِ عَلَى الْغُرَابِ وَلَمْ تَظْهَرْ مِنِّي عَلَى أَخِي كَنْتُ دُونَ الْغُرَابِ فِي الرَّحْمَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ فَكَانَ نَدَمُهُ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، لَا لِأَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّه تَعَالَى فَلَا جَرَمَ لَمْ يَنْفَعْهُ ذلك الندم.