«فَإِنْ قِيلَ» : إِذَا كَانَتِ الْحِجَارَةُ مُسَوَّمَةً لِلْمُسْرِفِينَ فَكَيْفَ قَالُوا (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ) [الذاريات: 32، 33] مَعَ أَنَّ الْمُسْرِفَ غَيْرُ الْمُجْرِمِ فِي اللُّغَةِ؟
نَقُولُ الْمُجْرِمُ هُوَ الْآتِي بِالذَّنْبِ الْعَظِيمِ لِأَنَّ الْجُرْمَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعِظَمِ وَمِنْهُ جُرْمُ الشَّيْءِ لِعَظَمَةِ مِقْدَارِهِ، وَالْمُسْرِفُ هُوَ الْآتِي بِالْكَبِيرَةِ، وَمَنْ أَسْرَفَ وَلَوْ فِي الصَّغَائِرِ يَصِيرُ مُجْرِمًا لِأَنَّ الصَّغِيرَ إِلَى الصَّغِيرِ إِذَا انْضَمَّ صَارَ كَبِيرًا، وَمَنْ أَجْرَمَ فَقَدْ أَسْرَفَ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْكَبِيرَةِ وَلَوْ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَالْوَصْفَانِ اجْتَمَعَا فِيهِمْ.
لَكِنَّ فِيهِ لَطِيفَةً مَعْنَوِيَّةً، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّمَهَا لِلْمُسْرِفِ الْمُصِرِّ الَّذِي لَا يَتْرُكُ الْجُرْمَ وَالْعِلْمُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، يَعْلَمُ أَنَّهُمْ مُسْرِفُونَ فَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِإِرْسَالِهَا عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَعِلْمُهُمْ تَعَلَّقَ بِالْحَاضِرِ وَهُمْ كَانُوا مُجْرِمُونَ فَقَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ نَعْلَمُهُمْ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً خُلِقَتْ لِمَنْ لَا يُؤْمِنُ وَيُصِرُّ وَيُسْرِفُ وَلَزِمَ مِنْ هَذَا عِلْمُنَا بِأَنَّهُمْ لَوْ عَاشُوا سِنِينَ لَتَمَادَوْا فِي الْإِجْرَامِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ أَوْ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ؟
نَقُولُ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ أَيْ مُسَوَّمَةً لِهَؤُلَاءِ الْمُسْرِفِينَ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ مُسْرِفٍ حِجَارَةٌ مُسَوَّمَةٌ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا إِسْرَافُهُمْ؟
نَقُولُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) [العنكبوت: 28] أَيْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَكُمْ أَحَدٌ.