(كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ(213)
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنْزَالُ الْكِتَابِ يَكُونُ قَبْلَ وُصُولِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ، وَوُصُولُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَيْهِمْ يَكُونُ قَبْلَ التَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ فَلِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ التَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ عَلَى إِنْزَالِ الْكُتُبِ؟
أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ فَقَالَ: لِأَنَّ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ مِنْهُمْ قَبْلَ بَيَانِ الشَّرْعِ مُمْكِنٌ فِيمَا يَتَّصِلُ بِالْعَقْلِيَّاتِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَتَرْكِ الظُّلْمِ وَغَيْرِهِمَا وَعِنْدِي فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِنَّمَا يَتَحَمَّلُ النَّظَرَ فِي دَلَالَةِ الْمُعْجِزِ عَلَى الصِّدْقِ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعْجِزِ إِذَا خَافَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْظُرْ فَرُبَّمَا تَرَكَ الْحَقَّ فَيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ، وَالْخَوْفُ إِنَّمَا يَقْوَى وَيَكْمُلُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ فَلَا جَرَمَ وَجَبَ تَقْدِيمُ الْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ عَلَى إِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الذِّكْرِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا نَبِيَّ إِلَّا مَعَهُ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ فِيهِ بَيَانُ الْحَقِّ طَالَ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَمْ قَصُرَ وَدُوِّنَ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَوْ لَمْ يُدَوِّنْ وَكَانَ ذَلِكَ الْكِتَابُ مُعْجِزًا أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لِأَنَّ كَوْنَ الْكِتَابِ مُنَزَّلًا مَعَهُمْ لَا يَقْتَضِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.