(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا(235)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ)
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي التَّعْرِيضِ لِلْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَلَا فِيمَا يُضْمِرُهُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيهَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ أَعْظَمُ حَالًا مِنْ أَنْ يَمِيلَ قَلْبُهُ إِلَيْهَا وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا فَلَمَّا قَدَّمَ جَوَازَ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ كَانَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) جَارِيًا مَجْرَى إِيضَاحِ الْوَاضِحَاتِ؟
قُلْنَا: لَيْسَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْتُمْ بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ أَبَاحَ التَّعْرِيضَ وَحَرَّمَ التَّصْرِيحَ فِي الْحَالِ، ثُمَّ قَالَ: (أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَالْآيَةُ الْأُولَى إِبَاحَةٌ لِلتَّعْرِيضِ فِي الْحَالِ، وَتَحْرِيمٌ لِلتَّصْرِيحِ فِي الْحَالِ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ إِبَاحَةٌ لِأَنْ يَعْقِدَ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ زَمَانِ الْعِدَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْوَجْهَ الَّذِي لِأَجْلِهِ أَبَاحَ ذَلِكَ، فَقَالَ:(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) لِأَنَّ شَهْوَةَ النَّفْسِ إِذَا حَصَلَتْ فِي بَابِ النِّكَاحِ لَا يَكَادُ يَخْلُو ذَلِكَ الْمُشْتَهِي مِنَ الْعَزْمِ وَالتَّمَنِّي، فَلَمَّا كَانَ دَفْعُ هَذَا الْخَاطِرِ كَالشَّيْءِ الشَّاقِّ أَسْقَطَ تَعَالَى عَنْهُ هَذَا الْحَرَجَ وَأَبَاحَ لَهُ ذَلِكَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَلكِنْ لَا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا)
وَفِيهِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَيْنَ الْمُسْتَدْرَكُ بِقوله تَعَالَى: (وَلكِنْ لَا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا) ؟
الْجَوَابُ: هُوَ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةٍ سَتَذْكُرُونَهُنَّ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ فَاذْكُرُوهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى السِّرِّ؟