أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ، فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ جَازَ جَعْلُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً؟
قُلْنَا: النَّكِرَةُ إِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً جَازَ جَعْلُهَا مُبْتَدَأً، فَإِذَا قُلْتَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ: فَالتَّنْكِيرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدُلُّ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: سَلَامٌ كَامِلٌ تَامٌّ عَلَيْكُمْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُنَا: سَلَامٌ عَلَيْكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) [مَرْيَمَ: 47] وَقَوْلُهُ: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) [يس: 58] (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ) [الصافات: 79] (الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) [الرَّعْدِ: 23، 24] فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) [طَه: 47] فَهَذَا أَيْضًا جَائِزٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَاهِيَّةُ وَالْحَقِيقَةُ.
وَأَقُولُ: قَوْلُهُ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أَكْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) لِأَنَّ التَّنْكِيرَ في قوله: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) يُفِيدُ الْكَمَالَ وَالْمُبَالَغَةَ وَالتَّمَامَ.
وَأَمَّا لَفْظُ السَّلَامِ: فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا الْمَاهِيَّةَ.
قَالَ الْأَخْفَشُ: مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) فَيُعَرِّي قَوْلَهُ: (سَلَامٌ) عَنِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ والتنوين، والسبب في ذلك كَثْرَةَ الِاسْتِعْمَالِ أَبَاحَ هَذَا التَّخْفِيفَ، واللَّه أَعْلَمُ.