قَوْلُهُ: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173)
قَوْلُهُ: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ)
فِيهِ سُؤَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَكْلَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَاجِبٌ وَقَوْلُهُ: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) يُفِيدُ الْإِبَاحَةَ؟
الثَّانِي: أَنَّ الْمُضْطَرَّ كَالْمُلْجَأِ إِلَى الْفِعْلِ وَالْمُلْجَأُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ؟
قُلْنَا: قَدْ بَيَّنَّا فِي تَفْسِيرِ قوله: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) [الْبَقَرَةِ: 158] أَنَّ نَفْيَ الْإِثْمِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ رَفْعُ الْحَرَجِ وَالضِّيقِ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَائِعَ إِنْ حَصَلَتْ فِيهِ شَهْوَةُ الْمَيْتَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ النُّفْرَةُ الشَّدِيدَةُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُلْجَأً إِلَى تَنَاوُلِ مَا يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ كَمَا يَصِيرُ مُلْجَأً إِلَى الْهَرَبِ مِنَ السَّبُعِ إِذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، أَمَّا إِذَا حَصَلَتِ النُّفْرَةُ الشَّدِيدَةُ فَإِنَّهُ بِسَبَبِ تِلْكَ النُّفْرَةِ يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُلْجَأً وَلَزِمَهُ تَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ النفار، وهاهنا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي آخِرِ الْآيَةِ: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) فَكَيْفَ يَلِيقُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فَإِنَّ الْغُفْرَانَ إِنَّمَا يَكُونُ عند حصول الإثم.
والجواب: من وجوه:
أحدها: أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْحُرْمَةِ قَائِمٌ فِي الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، إِلَّا أَنَّهُ زَالَتِ الْحُرْمَةُ لِقِيَامِ الْمُعَارِضِ، فَلَمَّا كَانَ تَنَاوُلُهُ تَنَاوُلًا لِمَا حَصَلَ فِيهِ الْمُقْتَضِي لِلْحُرْمَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّهُ رَحِيمٌ، يَعْنِي لِأَجْلِ الرَّحْمَةِ عَلَيْكُمْ أَبَحْتُ لَكُمْ ذَلِكَ.
وَثَانِيهَا: لَعَلَّ الْمُضْطَرَّ يَزِيدُ عَلَى تَنَاوُلِ الْحَاجَةِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَفُورٌ بِأَنْ يَغْفِرَ ذَنْبَهُ فِي تَنَاوُلِ الزِّيَادَةِ، رَحِيمٌ حَيْثُ أَبَاحَ فِي تَنَاوُلِ قَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ عَقَّبَهَا بِكَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا لِأَنَّهُ غَفُورٌ لِلْعُصَاةِ إِذَا تَابُوا، رَحِيمٌ بِالْمُطِيعِينَ الْمُسْتَمِرِّينَ عَلَى نَهْجِ حُكْمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.