فِي قَوْلِهِ (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) سُؤَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ كَيْفَ يَلِيقُ بِعَلَّامِ الْغُيُوبِ؟
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلِمَ خَاطَبَهُ بِهِ؟
فَإِنْ قُلْتُمُ الْغَرَضُ مِنْهُ تَوْبِيخُ النَّصَارَى وَتَقْرِيعُهُمْ فَنَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا مِنَ النَّصَارَى لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْقَوْلِ بِإِلَهِيَّةِ عِيسَى وَمَرْيَمَ مَعَ الْقَوْلِ بِنَفْيِ إِلَهِيَّةِ اللَّه تَعَالَى فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَقُلْ بِهِ؟
وَالْجَوَابُ: عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ؟
وَالْجَوَابُ: عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْخَالِقُ وَالنَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ أَنَّ خَالِقَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِ عِيسَى وَمَرْيَمَ هُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَرْيَمُ واللَّه تَعَالَى مَا خَلَقَهَا ألْبَتَّةَ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالنَّصَارَى قَدْ قَالُوا إِنَّ خَالِقَ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ هُوَ عِيسَى وَمَرْيَمُ واللَّه تَعَالَى لَيْسَ خَالِقَهَا، فَصَحَّ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ كَوْنَ عِيسَى وَمَرْيَمَ إِلَهَيْنِ لَهُ مَعَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَيْسَ إِلَهًا لَهُ فَصَحَّ بِهَذَا التَّأْوِيلِ هَذِهِ الْحِكَايَةُ وَالرِّوَايَةُ.