«فَإِنْ قِيلَ» : قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ فَكَيْفَ يُحْبَطُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟
فَنَقُولُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلُهُ (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [محمد: 1] فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الْمُشْرِكُونَ، وَمِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانُوا مُبْطِلِينَ، وَأَعْمَالُهُمْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَةٍ، والمراد من الذين كفروا هاهنا أَهْلُ الْكِتَابِ وَكَانَتْ لَهُمْ أَعْمَالٌ قَبْلَ الرَّسُولِ فَأَحْبَطَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وَلَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ بِالْحَشْرِ وَالرُّسُلِ وَالتَّوْحِيدِ، وَالْكَافِرُ الْمُشْرِكُ أُحْبِطَ عَمَلُهُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْعٍ أَصْلًا وَلَا كَانَ مُعْتَرِفًا بِالْحَشْرِ.
الثَّانِي: هُوَ أن المراد بالأعمال هاهنا مَكَايِدُهُمْ فِي الْقِتَالِ وَذَلِكَ فِي تَحَقُّقٍ مِنْهُمْ وَاللَّهُ سَيُبْطِلُهُ حَيْثُ يَكُونُ النَّصْرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ هُوَ مَا ظَنُّوهُ حسنة.