فهرس الكتاب

الصفحة 1651 من 2716

اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (ارْجِعُونِ) مَنِ الْمُرَادُ بِهِ؟

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ الْأَرْوَاحَ وَهُمْ جَمَاعَةٌ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْمُرَادُ هُوَ اللَّه تَعَالَى لِأَنَّ قَوْلَهُ (رَبِّ) بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ يَا رَبِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا يُخَاطِبُ الْعَظِيمُ بِلَفْظِهِ فَيَقُولُ فَعَلْنَا وَصَنَعْنَا

وَقَالَ الشَّاعِرُ:

فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ

وَمَنْ يَقُولُ بِالْأَوَّلِ يَجْعَلُ ذِكْرَ الرَّبِّ لِلْقَسَمِ، فَكَأَنَّهُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ قَالَ بِحَقِّ الرَّبِّ ارْجِعُونِ.

وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: كَيْفَ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ وَقَدْ عَلِمُوا صِحَّةَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمِنَ الدِّينِ أَنْ لَا رَجْعَةَ؟

الْجَوَابُ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَسْأَلُوهُ لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِهَذَا الْجِنْسِ مِنَ المسألة تَحْسُنُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَأَمَّا إِرَادَتُهُ لِلرَّجْعَةِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ مَا يَفْعَلُهُ الْمُتَمَنِّي.

السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا) أَفَيَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجْعَةَ مَعَ الشَّكِّ؟

الْجَوَابُ: ليس المراد بلعل الشَّكَّ فَإِنَّهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ بَاذِلٌ لِلْجُهْدِ فِي الْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَةِ إِنْ أُعْطِيَ مَا سَأَلَ، بَلْ هُوَ مِثْلُ مَنْ قَصَّرَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَعَرَفَ سُوءَ عَاقِبَةِ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ فَيَقُولُ مَكِّنُونِي مِنَ التَّدَارُكِ لَعَلِّي أَتَدَارَكُ فَيَقُولُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَعَ كَوْنِهِ جَازِمًا بِأَنَّهُ سَيَتَدَارَكُ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّ الْأَمْرَ الْمُسْتَقْبَلَ إِذَا لَمْ يَعْرِفُوهُ أَوْرَدُوا الْكَلَامَ الْمَوْضُوعَ لِلتَّرَجِّي وَالظَّنِّ دُونَ الْيَقِينِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) [الْأَنْعَامِ: 28] .

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (فِيمَا تَرَكْتُ) ؟

الْجَوَابُ: قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَا خَلَّفْتُ مِنَ الْمَالِ لِيَصِيرَ عِنْدَ الرَّجْعَةِ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ اللَّه تَعَالَى مِنْهُ، وَالْمَعْقُولُ مِنْ قَوْلِهِ: (تَرَكْتُ) التَّرِكَةُ.

وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْمُرَادُ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا قَصَّرْتُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ وَالْمَالِيَّةُ وَالْحُقُوقُ، وَهَذَا أَقْرَبُ كَأَنَّهُمْ تَمَنَّوُا الرَّجْعَةَ لِيُصْلِحُوا مَا أَفْسَدُوهُ وَيُطِيعُوا فِي كُلِّ ما عصوا.

السُّؤَالُ الرَّابِعُ: مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (كَلَّا) ؟

الْجَوَابُ: فِيهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْجَوَابِ لَهُمْ فِي الْمَنْعِ مِمَّا طَلَبُوا، كَمَا يُقَالُ لِطَالِبِ الْأَمْرِ الْمُسْتَبْعَدِ هَيْهَاتَ،

رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا: «إِذَا عَايَنَ الْمُؤْمِنُ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا نُرْجِعُكَ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ إِلَى دَارِ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ لَا بَلْ قُدُومًا عَلَى اللَّه، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ نُرْجِعُكَ فَيَقُولُ ارْجِعُونِ فَيُقَالُ لَهُ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَرْغَبُ إِلَى جَمْعِ الْمَالِ أَوْ غَرْسِ الْغِرَاسِ أَوْ بِنَاءِ الْبُنْيَانِ أَوْ شَقِّ الْأَنْهَارِ؟

فَيَقُولُ (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: كَلَّا»

الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ وَأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حَقٌّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَقًّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت