فهرس الكتاب

الصفحة 2150 من 2716

«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ الْمُتَارَكَةِ مَا فُعِلَ بِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَتَخْرِيبِ الْبُيُوتِ وَقَطْعِ النَّخِيلِ وَالْإِجْلَاءِ؟

قُلْنَا هَذِهِ الْمُتَارَكَةُ كَانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أَنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ الْمُتَّفَقَ عَلَى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ، وَتَرْكُ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَالْإِقْرَارُ بِنُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبِصِحَّةِ الْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذَا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فَاتَ الشَّرْطُ، فَلَا جَرَمَ فَاتَ الْمَشْرُوطُ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ) تَحْرِيمَ مَا يَجْرِي مَجْرَى مُحَاجَّتِهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَذْكُورٌ فِي مَعْرِضِ الْمُحَاجَّةِ، فَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَحْرِيمُ الْمُحَاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُهَا مُحَرَّمَةً لِنَفْسِهَا وَهُوَ مُتَنَاقِضٌ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَوْلَا الْأَدِلَّةُ لَمَا تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ الْعِلْمَ وذلك لا يمكن تحريمه، بل المرد أَنَّ الْقَوْمَ عَرَفُوا بِالْحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وَعِنَادًا، فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ مُحَاجَّتِهِمْ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا بِالْحُجَّةِ صِدْقَهُ فَلَا حَاجَةَ مَعَهُمْ إِلَى الْمُحَاجَّةِ ألْبَتَّةَ، وَمِمَّا يُقَوِّي قَوْلَنَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ الْمُحَاجَّةِ، قَوْلُهُ (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] وقوله تَعَالَى: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) [النَّحْلِ: 125] وَقَوْلُهُ (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [العنكبوت: 46] وقوله (يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) [هُودٍ: 32] وَقَوْلُهُ وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) [الْأَنْعَامِ: 83] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت