قَالَ هَاهُنَا (بِأَعْيُنِنا) وَقَالَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) [طَه: 39] نَقُولُ لَمَّا وَحَّدَ الضَّمِيرَ هُنَاكَ وَهُوَ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ وحده وَحَّدَ الْعَيْنَ وَلَمَّا ذَكَرَ هَاهُنَا ضَمِيرَ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ (بِأَعْيُنِنا) وَهُوَ النُّونُ جَمَعَ الْعَيْنَ، وَقَالَ: (بِأَعْيُنِنا) هَذَا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلِأَنَّ الْحِفْظَ هَاهُنَا أَتَمُّ لِأَنَّ الصَّبْرَ مَطِيَّةُ الرَّحْمَةِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ وَجَمَعُوا لَهُ مَكَايِدَ وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْفُلْكِ وَأَمَرَهُ بِالِاتِّخَاذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَحَفَظَهُ مِنَ الْغَرَقِ مَعَ كَوْنِ كُلِّ الْبِقَاعِ مَغْمُورَةً تَحْتَ الْمَاءِ تَحْتَاجُ إِلَى حِفْظٍ عَظِيمٍ فِي نَظَرِ الْخَلْقِ فَقَالَ بِأَعْيُنِنا.
* مَا وَجْهُ تَعَلُّقِ الْبَاءِ هَاهُنَا؟
قُلْنَا قَدْ ظَهَرَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، أَمَّا إِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ لِلْحِفْظِ فَتَقْدِيرُهُ مَحْفُوظٌ بِأَعْيُنِنَا، وَإِنْ قُلْنَا لِلْعِلْمِ فَمَعْنَاهُ بِمَرْأًى مِنَّا أَيْ بِمَكَانٍ نَرَاكَ وَتَقْدِيرُهُ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا مَرْئِيٌّ وَحِينَئِذٍ هُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ رَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ كَمَا يُقَالُ كُتِبَ بِالْقَلَمِ الْآلَةِ وَإِنْ كَانَ رُؤْيَةُ اللَّهِ لَيْسَتْ بِآلَةٍ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَمَا الْفَرْقُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِي طه (عَلى عَيْنِي) [طَه: 39] وَقَالَ هَاهُنَا (بِأَعْيُنِنا) وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ (عَلَى) وَبَيْنَ (الْبَاءِ) ؟
نَقُولُ مَعْنَى (عَلَى) هُنَاكَ هُوَ أَنَّهُ يَرَى عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا يَقُولُ أَفْعَلُهُ عَلَى عَيْنِي أَيْ عَلَى رِضَايَ تَقْدِيرُهُ عَلَى وَجْهٍ يَدْخُلُ فِي عَيْنِي وَأَلْتَفِتُ إِلَيْهِ فَإِنَّ مَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا لِغَيْرِهِ وَلَا يَرْتَضِيهِ لَا يَنْظُرُ فِيهِ وَلَا يُقَلِّبُ عَيْنَهُ إِلَيْهِ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) قَدْ ذَكَرْنَاهَا.