فهرس الكتاب

الصفحة 1664 من 2716

قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ حَيْثُ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى قَرَابَتِهِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ قَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ قُومُوا فَلَسْتُمْ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْكُمْ وَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَبَعَثَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا يَنْهَاكَ فِيهِ أَنْ تُخْرِجَهُمْ فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَسَرَّهُ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ عَلَيْهِ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ: (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قَالَ بَلَى يَا رَبِّ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يُغْفَرَ لِي، وَقَدْ تَجَاوَزْتُ عَمَّا كَانَ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى بَيْتِهِ وَأَرْسَلَ إِلَى مِسْطَحٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ قَبِلْتُ مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَإِنَّمَا فَعَلْتُ بِكُمْ مَا فَعَلْتُ إِذْ سَخِطَ اللَّه عَلَيْكُمْ، أَمَا إِذَ عَفَا عَنْكُمْ فَمَرْحَبًا بِكُمْ، وَجَعَلَ لَهُ مِثْلَيْ مَا كَانَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهَاهُنَا مَسَائِلُ:

المسألة الْأُولَى: ذَكَرُوا فِي قَوْلِهِ: (وَلا يَأْتَلِ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مِنِ ائْتَلَى إِذَا حَلَفَ، افْتَعَلَ مِنَ الْأَلِيَّةِ، وَالْمَعْنَى لَا يَحْلِفُ.

و (لَا) تُخْذَفُ فِي الْيَمِينِ كَثِيرًا قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) [الْبَقَرَةِ: 224] يَعْنِي أَنْ لَا تَبَرُّوا، وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّه أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي إِلَيْكِ وَأَوْصَالِي

أَيْ لَا أَبْرَحُ، وَأَجَابُوا عَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي، أَنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ أَبِي مُسْلِمٍ فَسَّرُوا اللَّفْظَةَ بِالْيَمِينِ وَقَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ فَكَيْفَ الْكُلُّ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ وَلَا يَتَأَلَّ.

المسألة الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: أُولُوا الْفَضْلِ أَبُو بَكْرٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الدِّينِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ لَهُ، وَالْمَدْحُ مِنَ اللَّه تَعَالَى بِالدُّنْيَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ: وَالسَّعَةِ تَكْرِيرًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْفَضْلَ فِي الدِّينِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الدَّرَجَاتِ فِي الدِّينِ لَمْ يَكُنْ هُوَ صَاحِبَ الْفَضْلِ لِأَنَّ الْمُسَاوِيَ لَا يَكُونُ فَاضِلًا، فَلَمَّا أَثْبَتَ اللَّه تَعَالَى لَهُ الْفَضْلَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ الْخُلُقِ تُرِكَ الْعَمَلُ بِهِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، فَإِنْ قِيلَ نَمْنَعُ إِجْمَاعَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَبِي بَكْرٍ، قُلْنَا كُلُّ مَنْ طَالَعَ كُتُبَ التَّفْسِيرِ وَالْأَحَادِيثِ عَلِمَ أَنَّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْآيَةِ بِأَبِي بَكْرٍ بَالِغٌ إِلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ، فَلَوْ جَازَ مَنْعُهُ لَجَازَ مَنْعُ كُلِّ مُتَوَاتِرٍ، وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا أَفْضَلُ النَّاسِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ إِمَّا أَبُو بَكْرٍ أَوْ عَلِيٌّ، فَإِذَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ عَلِيًّا تَعَيَّنَتِ الْآيَةُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ عَلِيًّا لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا بَعْدَهَا يَتَعَلَّقُ بِابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ فَيَكُونُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الْبَيْنِ سَمِجًا الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أُولِي السَّعَةِ، وَإِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أُولِي السَّعَةِ فِي الدُّنْيَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ قَطْعًا،

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَ أَبَا بَكْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِصِفَاتٍ عَجِيبَةٍ دَالَّةٍ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ فِي الدِّينِ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ كَنَّى عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْوَاحِدُ إِذَا كُنِّيَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ دَلَّ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الْحِجْرِ: 9] ، (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ [الْكَوْثَرِ: 1] فَانْظُرْ إِلَى الشَّخْصِ الَّذِي كَنَّاهُ اللَّه سُبْحَانَهُ مَعَ جَلَالِهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَيْفَ يَكُونُ عُلُوُّ شَأْنِهِ!

وَثَانِيهَا: وَصَفَهُ بِأَنَّهُ صَاحِبُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِذَلِكَ بِشَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وَالْفَضْلُ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِفْضَالُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَمَا كَانَ فَاضِلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَانَ مُفَضَّلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِفْضَالَ إِفَادَةُ مَا يَنْبَغِي لَا لِعِوَضٍ، فَمَنْ يَهَبُ السِّكِّينَ لِمَنْ يَقْتُلُ نَفْسَهُ لَا يُسَمَّى مُفَضَّلًا لِأَنَّهُ أَعْطَى مَا لَا يَنْبَغِي، وَمَنْ أَعْطَى لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُ عِوَضًا إِمَّا مَالِيًّا أَوْ مَدْحًا أَوْ ثَنَاءً فَهُوَ مُسْتَفِيدٌ واللَّه تَعَالَى قَدْ وَصَفَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ:(وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ

نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى) [اللَّيْلِ: 17 - 20]

وَقَالَ فِي حَقِّ عَلِيٍّ: (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) [الْإِنْسَانِ: 9، 10] [[1] ]

فِعَلِيٌّ أَعْطَى لِلْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ، وَأَبُو بَكْرٍ مَا أَعْطَى إِلَّا لِوَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، فَدَرَجَةُ أَبِي بَكْرٍ أَعْلَى فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِي الْإِفْضَالِ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ قَالَ: (أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ) فَكَلِمَةُ مِنْ لِلتَّمْيِيزِ، فَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَيَّزَهُ عَنْ كُلِّ الْمُؤْمِنِينَ بِصِفَةِ كَوْنِهِ أُولِي الْفَضْلِ، وَالصِّفَةُ الَّتِي بِهَا يَقَعُ الِامْتِيَازُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُهَا فِي الْغَيْرِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَتْ مُمَيِّزَةً لَهُ بِعَيْنِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ خَاصَّةٌ فِيهِ لَا فِي غَيْرِهِ ألْبَتَّةَ.

وَخَامِسُهَا: أَمْكَنَ حَمْلُ الْفَضْلِ عَلَى طَاعَةِ اللَّه تَعَالَى وَخِدْمَتِهِ وَقَوْلُهُ: وَالسَّعَةِ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِلتَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّه وَهُمَا مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصِّدِّيقِينَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اللَّه مَعَهُ لِقَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ وَلِأَجْلِ اتِّصَافِهِ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ قَالَ لَهُ: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التَّوْبَةِ: 40]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت