وَسَادِسُهَا: إِنَّمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مَوْصُوفًا بِالسَّعَةِ لَوْ كَانَ جَوَّادًا بَذُولًا،
وَلَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ»
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَقَدْ كَانَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ جَوَّادًا بَذُولًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْ جُودِهِ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ بُكْرَةَ الْيَوْمِ جَاءَ بِعُثْمَانَ بْنُ عَفَّانَ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمُوا عَلَى يَدِهِ، وَكَانَ جُودُهُ فِي التَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى الدِّينِ وَالْبَذْلِ بِالدُّنْيَا كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ، فَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَةِ، وَأَيْضًا فَهَبْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ إِسْلَامِ عَلِيٍّ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَكِنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَلِيًّا حِينَ أَسْلَمَ لَمْ يَشْتَغِلْ بِدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَغَلَ بِالدَّعْوَةِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ النَّاسِ اشْتِغَالًا بِالدَّعْوَةِ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَجَلَّ الْمَرَاتِبِ فِي الدِّينِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ
وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِأَبِي بَكْرٍ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ مَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّه، فَيَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ أَيْضًا
وَسَابِعُهَا: أَنَّ الظُّلْمَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى أَشَدُّ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشُدُّ مَضَاضَةً ... عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ
وَأَيْضًا فَالْإِنْسَانُ إِذَا أَحْسَنَ إِلَى غَيْرِهِ فَإِذَا قَابَلَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِالْإِسَاءَةِ كَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّا إِذَا صَدَرَتِ الْإِسَاءَةُ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ، وَالْجِهَتَانِ كَانَتَا مُجْتَمِعَتَيْنِ فِي حَقِّ مِسْطَحٍ ثُمَّ إِنَّهُ آذَى أَبَا بَكْرٍ بِهَذَا النوع مِنَ الْإِيذَاءِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الْإِيذَاءِ، فَانْظُرْ أَيْنَ مَبْلَغُ ذَلِكَ الضَّرَرِ فِي قَلْبِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِأَنْ لَا يَقْطَعَ عَنْهُ بِرَّهُ وَأَنْ يَرْجِعَ مَعَهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِحْسَانِ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا أَصْعَبُ مِنْ مُقَاتَلَةِ الْكُفَّارِ لِأَنَّ هَذَا مُجَاهَدَةٌ مَعَ النَّفْسِ وَذَلِكَ مُجَاهَدَةٌ مَعَ الْكَافِرِ وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ أَشَقُّ، وَلِهَذَا
قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»
وَثَامِنُهَا: أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ بِذَلِكَ لَقَّبَهُ بِأُولِي الْفَضْلِ وَأُولِي السَّعَةِ كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تُقَابِلَ إِسَاءَتَهُ بِشَيْءٍ وَأَنْتَ أَوْسَعُ قَلْبًا مِنْ أَنْ تُقِيمَ لِلدُّنْيَا وَزْنًا، فَلَا يَلِيقُ بِفَضْلِكَ وَسَعَةِ قَلْبِكَ أَنْ تَقْطَعَ بِرَّكَ عَنْهُ بِسَبَبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنَ الْإِسَاءَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ الْفَضْلِ وَالْعُلُوِّ فِي الدِّينِ.
وَتَاسِعُهَا: أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يُفِيدَانِ الْعُمُومَ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الْفَضْلِ وَالسَّعَةِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْفَضْلِ وَكُلَّ السَّعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ هُوَ الْعَالَمُ يَعْنِي قَدْ بَلَغَ فِي الْفَضْلِ إِلَى أَنْ صَارَ كَأَنَّهُ كُلُّ الْعَالَمِ وَمَا عداه كالعدم، وهذا وأيضا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ.
وَعَاشِرُهَا: قَوْلُهُ: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا وَفِيهِ وُجُوهٌ: مِنْهَا: أَنَّ الْعَفْوَ قَرِينَةُ التَّقْوَى وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَقْوَى فِي الْعَفْوِ كَانَ أَقْوَى فِي التَّقْوَى، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ أَفْضَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) [الْحُجُرَاتِ: 13]
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعَفْوَ وَالتَّقْوَى مُتَلَازِمَانِ فَلِهَذَا السَّبَبِ اجْتَمَعَا فِيهِ، أَمَّا التَّقْوَى فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [اللَّيْلِ: 17] وَأَمَّا الْعَفْوُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:
(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا)
وحادي عاشرها: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) [الْمَائِدَةِ: 13] وَقَالَ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) فَمِنْ هَذَا الوجه يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ حَتَّى فِي الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ
وَثَانِيَ عَشَرَهَا: قَوْلُهُ: (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ ذَكَرَهُ بِكِنَايَةِ الْجَمْعِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ غُفْرَانَهُ لَهُ عَلَى إِقْدَامِهِ عَلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ فَلَمَّا حَصَلَ الشَّرْطُ مِنْهُ وَجَبَ تَرْتِيبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: (يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) بِصِيغَةِ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ فِي مُسْتَقْبَلِ عُمُرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَانَ مِنْ هَذَا الوجه ثَانِيَ اثْنَيْنِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) [الْفَتْحِ: 2] وَدَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ إِمَامَتِهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَإِنَّ إِمَامَتَهُ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ لَمَا كَانَ مَغْفُورًا لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَدَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَبَرِ بِشَارَةِ الْعَشَرَةِ بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ.