فهرس الكتاب

الصفحة 1139 من 2716

فِي لَفْظِ الْآيَةِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَصْنَامُ وَأَنَّهَا جَمَادَاتٌ لَا تَقْبَلُ الْهِدَايَةَ، فَقَوْلُهُ: (أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى) لَا يَلِيقُ بِهَا؟

وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) هُوَ الْأَصْنَامَ.

وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) رُؤَسَاءَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ وَالدُّعَاةَ إِلَيْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) إِلَى قَوْلِهِ: (لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التَّوْبَةِ: 31] وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَدَى الْخَلْقَ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ بِوَاسِطَةِ مَا أَظْهَرَ مِنَ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ.

وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الدُّعَاةُ وَالرُّؤَسَاءُ فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَهْدُوا غَيْرَهُمْ إِلَّا إِذَا هَدَاهُمُ اللَّه تَعَالَى، فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِدِينِ اللَّه تَعَالَى أَوْلَى مِنْ قَبُولِ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنَّ يُقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اتَّخَذُوهَا آلِهَةً، لَا جَرَمَ عَبَّرَ عَنْهَا كَمَا يُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْلَمُ وَيَعْقِلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) [الْأَعْرَافِ: 194] مَعَ أَنَّهَا جَمَادَاتٌ وَقَالَ: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) [فَاطِرٍ: 14] فَأَجْرَى اللَّفْظَ عَلَى الْأَوْثَانِ عَلَى حَسَبِ مَا يجري على من يعقل ويعلم فكذا هاهنا وَصَفَهُمُ اللَّه تَعَالَى بِصِفَةِ مَنْ يَعْقِلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّا نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ، يَعْنِي أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ يُمْكِنُهَا أَنْ تَهْدِيَ، فَإِنَّهَا لَا تَهْدِي غَيْرَهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَهْدِيَهَا غَيْرُهَا، وَإِذَا حَمَلْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَقَدْ زَالَ السُّؤَالُ.

الرَّابِعُ: أَنَّ الْبِنْيَةَ عِنْدَنَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ، فَتِلْكَ الْأَصْنَامُ حَالَ كَوْنِهَا خَشَبًا وَحَجَرًا قَابِلَةٌ لِلْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَصِحُّ مِنَ اللَّه تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا حَيَّةً عَاقِلَةً ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِهِدَايَةِ الْغَيْرِ.

الْخَامِسُ: أَنَّ الْهُدَى عِبَارَةٌ عَنِ النَّقْلِ وَالْحَرَكَةِ يُقَالُ: هُدِيَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا هُدًى، إِذَا نُقِلَتْ إِلَيْهِ وَالْهَدْيُ مَا يُهْدَى إِلَى الْحَرَمِ مِنَ النَّعَمِ، وَسُمِّيَتِ الْهَدِيَّةُ هَدِيَّةً لِانْتِقَالِهَا مِنْ رَجُلٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَجَاءَ فُلَانٌ يُهَادِي بَيْنَ اثْنَيْنِ إِذَا كَانَ يَمْشِي بَيْنَهُمَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفِهِ وَتَمَايُلِهِ.

إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: (أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى مَكَانٍ إِلَّا إِذَا نُقِلَ إِلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالْمُرَادُ الْإِشَارَةُ إِلَى كَوْنِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ جَمَادَاتٍ خَالِيَةً عَنِ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت