«فَإِنْ قِيلَ» : إنه تعالى قال هاهنا: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) وَقَالَ فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ: (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا) فلم ذكر هاهنا (لَنْ) وَفِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ «لَا» ؟
قُلْنَا: إِنَّهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، ادَّعَوْا أَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ خَالِصَةٌ لَهُمْ مَنْ دُونِ النَّاسِ، وَادَّعَوْا فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَبْطَلَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، وَالدَّعْوَى الْأُولَى أَعْظَمُ مِنَ الثَّانِيَةِ، إِذِ السَّعَادَةُ الْقُصْوَى هِيَ الْحُصُولُ فِي دَارِ الثَّوَابِ، وَأَمَّا مَرْتَبَةُ الْوَلَايَةِ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ شَرِيفَةً إِلَّا أَنَّهَا إِنَّمَا تُرَادُ لِيُتَوَسَّلَ بِهَا إِلَى الْجَنَّةِ فَلَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَةُ الْأَوْلَى أَعْظَمَ لَا جَرَمَ بَيَّنَ تَعَالَى فَسَادَ قَوْلِهِمْ بِلَفْظِ: «لَنْ» لِأَنَّهُ أَقْوَى الْأَلْفَاظِ النَّافِيَةِ، وَلَمَّا كَانَتِ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لَيْسَتْ فِي غَايَةِ الْعَظَمَةِ لَا جَرَمَ اكْتَفَى فِي إِبْطَالِهَا بِلَفْظِ «لَا» لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي نِهَايَةِ الْقُوَّةِ فِي إِفَادَةِ مَعْنَى النَّفْيِ، وَاللَّهُ أعلم.