قوله تعالى: (قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى(63)
الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ وَذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَرَ.
أَحَدُهَا: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ: (إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ) قَالُوا: هِيَ قِرَاءَةُ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ رَضِيَ اللَّه تعالى عنه وَاحْتَجَّ أَبُو عَمْرٍو وَعِيسَى عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِهِ: (إِنَّ هذانِ لَساحِرانِ) وَعَنْ قَوْلِهِ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى) [الْمَائِدَةِ: 69] فِي الْمَائِدَةِ، وَعَنْ قَوْلِهِ: (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) - إِلَى قَوْلِهِ - (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) [النِّسَاءِ: 162] فَقَالَتْ يَا ابْنَ أَخِي هَذَا خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: أَرَى فِيهِ لَحْنًا وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو أنه قال: إني لأستحي أَنْ أَقْرَأَ: (إِنَّ هذانِ لَساحِرانِ)
وَثَانِيهَا: قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: (إِنْ هَذَانِّ) بِتَخْفِيفِ (إِنَّ) وَتَشْدِيدِ نون (هَذَانِّ) .
وَثَالِثُهَا: قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ (إِنْ هذانِ) بِتَخْفِيفِ النُّونَيْنِ.
وَرَابِعُهَا: قَرَأَ عَبْدُ اللَّه بْنُ مَسْعُودٍ: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أَنْ هَذَانِ سَاحِرَانِ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَجَزْمِ نُونِهِ وَ (سَاحِرَانِ) بِغَيْرِ لَامٍ.
وَخَامِسُهَا: عَنِ الْأَخْفَشِ: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) خَفِيفَةٌ فِي مَعْنَى ثَقِيلَةٍ وَهِيَ لُغَةُ قَوْمٍ يَرْفَعُونَ بِهَا وَيُدْخِلُونَ اللَّامَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّتِي تَكُونُ فِي مَعْنَى مَا.
وَسَادِسُهَا: رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (مَا هَذَانِ إِلَّا سَاحِرَانِ) وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا: (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) وَعَنِ الْخَلِيلِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ أُبَيِّ أَيْضًا: (إِنْ ذَانِ لَسَاحِرَانِ) فَهَذِهِ هِيَ الْقِرَاءَاتُ الشَّاذَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: هَذِهِ الْقِرَاءَاتُ لَا يَجُوزُ تَصْحِيحُهَا لِأَنَّهَا مَنْقُولَةٌ بِطَرِيقِ الْآحَادِ، وَالْقُرْآنُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ إِذْ لَوْ جَوَّزْنَا إِثْبَاتَ زِيَادَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ لَمَا أَمْكَنَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي هُوَ عِنْدَنَا كُلُّ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ أَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَا نُقِلَتْ بِالتَّوَاتُرِ جَازَ فِي غَيْرِهَا ذَلِكَ، فَثَبَتَ أَنَّ تَجْوِيزَ كَوْنِ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مِنَ الْقُرْآنِ يَطْرُقُ جَوَازَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّغْيِيرِ إِلَى الْقُرْآنِ وَذَلِكَ يُخْرِجُ الْقُرْآنَ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا فَكَذَلِكَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ.