(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ...(196)
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) فَقَدْ طَعَنَ الْمُلْحِدُونَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ وَالسَّبْعَةَ عَشَرَةٌ فَذِكْرُهُ يَكُونُ إِيضَاحًا لِلْوَاضِحِ وَالثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: كامِلَةٌ يُوهِمُ وُجُودَ عَشَرَةٍ غَيْرِ كَامِلَةٍ فِي كَوْنِهَا عَشَرَةً وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَالْعُلَمَاءُ ذَكَرُوا أَنْوَاعًا مِنَ الْفَوَائِدِ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: (وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ) لَيْسَ نَصًّا قَاطِعًا فِي الْجَمْعِ بَلْ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) [النِّسَاءِ: 3] وَكَمَا فِي قَوْلِهِمْ: جَالِسِ الْحَسَنَ وَابْنَ سِيرِينَ أَيْ جَالِسْ هَذَا أَوْ هَذَا، فَاللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ قَوْلَهُ: (عَشَرَةٌ كامِلَةٌ) إِزَالَةً لِهَذَا الْوَهْمِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُعْتَادَ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ أَضْعَفَ حَالًا مِنَ الْمُبْدَلِ كما في التيمم مَعَ الْمَاءِ فَاللَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْبَدَلَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ كَامِلٌ فِي كَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ الْمُبْدَلِ لِيَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْهَدْيِ الْمُتَحَمِّلُ لِكُلْفَةِ الصَّوْمِ سَاكِنَ النَّفْسِ إِلَى مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْكَامِلِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَذِكْرُ الْعَشَرَةِ إِنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ التَّوَصُّلِ بِهِ إِلَى قَوْلِهِ: (كامِلَةٌ) لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: تِلْكَ كَامِلَةٌ، جَوَّزَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّلَاثَةُ الْمُفْرَدَةُ عَنِ السَّبْعَةِ، أَوِ السَّبْعَةُ الْمُفْرَدَةُ عَنِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا بُدَّ فِي هَذَا مِنْ ذِكْرِ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: (كامِلَةٌ) يَحْتَمِلُ بَيَانَ الْكَمَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا كَامِلَةٌ فِي الْبَدَلِ عَنِ الْهَدْيِ قَائِمَةٌ مَقَامَهُ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهَا كَامِلَةٌ فِي أَنَّ ثَوَابَ صَاحِبِهِ كَامِلٌ مِثْلُ ثَوَابِ مَنْ يَأْتِي بِالْهَدْيِ مِنَ الْقَادِرِينَ عَلَيْهِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهَا كَامِلَةٌ فِي أَنَّ حَجَّ الْمُتَمَتِّعِ إِذَا أَتَى بِهَذَا الصِّيَامِ يَكُونُ كَامِلًا، مِثْلَ حَجِّ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا التَّمَتُّعِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا قَالَ: أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمُ الصِّيَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي خُرُوجَ بَعْضِ هَذِهِ الْأَيَّامِ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ،