فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 2716

قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)

الْإِيجَاسُ اسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ أَيْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خَوْفًا.

«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ لَا مَزِيدَ فِي إِزَالَةِ الْخَوْفِ عَلَى مَا فَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ كَلَّمَهُ أَوَّلًا وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةَ كَالْعَصَا وَالْيَدِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى صَيَّرَهَا كَمَا كَانَتْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كَأَعْظَمِ ثُعْبَانٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَاهُ الِاقْتِرَاحَاتِ الثَّمَانِيَةَ وَذَكَرَ مَا أَعْطَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمِنَنِ الثَّمَانِيَةِ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طه: 46] فَمَعَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْكَثِيرَةِ كَيْفَ وَقَعَ الْخَوْفُ فِي قَلْبِهِ؟

وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ.

أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْخَوْفَ إِنَّمَا كَانَ لِمَا طُبِعَ الْآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَعْفِ الْقَلْبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَأَنَّ اللَّه نَاصِرُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.

وَثَانِيهَا: أَنَّهُ خَافَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى النَّاسِ شُبْهَةٌ فِيمَا يَرَوْنَهُ فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ سَاوَوْا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَأَكَّدٌ بِقَوْلِهِ: (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَافَ حَيْثُ بَدَءُوا وَتَأَخَّرَ إِلْقَاؤُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَبْلَ مُشَاهَدَةِ مَا يُلْقِيهِ فَيَدُومُوا عَلَى اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ.

وَرَابِعُهَا: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَأْمُورًا بِأَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا إِلَّا بِالْوَحْيِ فَلَمَّا تَأَخَّرَ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ فِي ذلك الوقت خاف أن لا ينزل عليه الْوَحْيُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَبْقَى فِي الْخَجَالَةِ.

وَخَامِسُهَا: لَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَافَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَبْطَلَ سِحْرَ أُولَئِكَ الْحَاضِرِينَ فَلَعَلَّ فِرْعَوْنَ قَدْ أَعَدَّ أَقْوَامًا آخَرِينَ فَيَأْتِيهِ بِهِمْ فَيَحْتَاجُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى إِبْطَالِ سِحْرِهِمْ وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَقْطَعٌ وَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ الْأَمْرُ وَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَزَالَ ذَلِكَ الْخَوْفَ بِالْإِجْمَالِ أَوَّلًا وَبِالتَّفْصِيلِ ثَانِيًا، أَمَّا الْإِجْمَالُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْنا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) وَدَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ خَوْفَهُ كَانَ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ أَمْرَهُ لَا يَظْهَرُ لِلْقَوْمِ فَآمَنَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ: (إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) وَفِيهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ.

أَحَدُهَا: ذِكْرُ كَلِمَةِ التَّأْكِيدِ وَهِيَ (إِنَّ) .

وَثَانِيهَا: تَكْرِيرُ الضَّمِيرِ.

وَثَالِثُهَا: لَامُ التَّعْرِيفِ.

وَرَابِعُهَا: لَفْظُ الْعُلُوِّ وَهُوَ الْغَلَبَةُ الظَّاهِرَةُ.

وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَقَوْلُهُ: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) وَفِيهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ وَأَلْقِ عَصَاكَ؟

وَالْجَوَابُ: جَازَ أَنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَهَا أَيْ لَا تُبَالِ بِكَثْرَةِ حِبَالِهِمْ وَعِصِيِّهِمْ وَأَلْقِ الْعُوَيْدَ الْفَرْدَ الصَّغِيرَ الْجِرْمِ الَّذِي بِيَمِينِكَ فَإِنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّه تَعَالَى يَتَلَقَّفُهَا عَلَى وَحْدَتِهِ وَكَثْرَتِهَا وَصِغَرِهِ وَعِظَمِهَا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَهَا أَيْ لَا تَحْتَفِلْ بِهَذِهِ الْأَجْرَامِ الْكَثِيرَةِ فَإِنَّ فِي يَمِينِكَ شَيْئًا أَعْظَمُ مِنْهَا كُلِّهَا وَهَذِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَقَلُّ شَيْءٍ عِنْدَهَا فَأَلْقِهِ يَتَلَقَّفْهَا بِإِذْنِ اللَّه تعالى ويمحقها، أما قوله: (تَلْقَفْ) إلى قوله (حَيْثُ أَتى) أَيْ فَإِنَّكَ إِذَا أَلْقَيْتَهَا فَإِنَّهَا تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا.

قوله: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا)

سَؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: لِمَ وَحَّدَ السَّاحِرَ، وَلَمْ يَجْمَعْ.

الْجَوَابُ: لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي هَذَا الْكَلَامِ إِلَى مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ لَا إِلَى مَعْنَى الْعَدَدِ فَلَوْ جَمَعَ تُخِيَّلَ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْعَدَدُ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) أَيْ هَذَا الْجِنْسَ.

السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ نَكَّرَ أَوَّلًا ثُمَّ عَرَّفَ ثَانِيًا.

الْجَوَابُ: كَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَتَوْا بِهِ قِسْمٌ وَاحِدٌ مِنْ أَقْسَامِ السِّحْرِ وَجَمِيعُ أَقْسَامِ السِّحْرِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبْلَغُ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّاحِرَ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُهُ بِالسِّحْرِ خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ السِّحْرِ بِالْكُلِّيَّةِ.

الْجَوَابُ: الْكَلَامُ فِي السِّحْرِ وَحَقِيقَتُهُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْإِعَادَةِ واللَّه أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت