فهرس الكتاب

الصفحة 1464 من 2716

قَوْلِهِ: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)

وصف الْأَوْثَانَ بِصِفَاتٍ ثَلَاثَةٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَادِحَةٌ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أن الْعِبَادَةَ غَايَةُ التَّعْظِيمِ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا مَنْ لَهُ غَايَةُ الْإِنْعَامِ وَهُوَ الْإِلَهُ الَّذِي مِنْهُ أُصُولُ النِّعَمِ وَفُرُوعُهَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) [مريم: 36] وَقَالَ: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ) [الْبَقَرَةِ: 28] الْآيَةَ وَكَمَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِشُكْرِهَا مَا لَمْ تَكُنْ مُنْعِمَةً وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الِاشْتِغَالُ بِعِبَادَتِهَا. وَثَانِيهَا: أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَسْمَعْ وَلَمْ تُبْصِرْ وَلَمْ تُمَيِّزْ مَنْ يُطِيعُهَا عَمَّنْ يَعْصِيهَا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي عِبَادَتِهَا، وَهَذَا يُنَبِّهُكَ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ الْمَعْلُومَاتِ حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ آمِنًا مِنْ وُقُوعِ الْغَلَطِ لِلْمَعْبُودِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الدُّعَاءَ مُخُّ الْعِبَادَةِ فَالْوَثَنُ إِذَا لَمْ يَسْمَعْ دُعَاءَ الدَّاعِي فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ فِي عِبَادَتِهِ وَإِذَا كَانَتْ لَا تُبْصِرُ بِتَقَرُّبِ مَنْ يَقْتَرِبُ إِلَيْهَا فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ فِي ذَلِكَ التَّقَرُّبِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ السَّامِعَ الْمُبْصِرَ الضَّارَّ النَّافِعَ أَفْضَلُ مِمَّنْ كَانَ عَارِيًا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، وَالْإِنْسَانُ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَيَكُونُ أَفْضَلَ وَأَكْمَلَ مِنَ الْوَثَنِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْأَفْضَلِ عِبَادَةُ الْأَخَسِّ. وَخَامِسُهَا: إِذَا كَانَتْ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ فَلَا يُرْجَى مِنْهَا مَنْفَعَةٌ وَلَا يُخَافُ مِنْ ضَرَرِهَا فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي عِبَادَتِهَا. وَسَادِسُهَا: إِذَا كَانَتْ لَا تَحْفَظُ أَنْفُسَهَا عَنِ الْكَسْرِ وَالْإِفْسَادِ عَلَى مَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَسَّرَهَا وَجَعَلَهَا جُذَاذًا فَأَيُّ رَجَاءٍ لِلْغَيْرِ فِيهَا وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَابَ الْوَثَنَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: (لَا يَسْمَعُ) .

وَثَانِيهَا: (لَا يُبْصِرُ) . وَثَالِثُهَا: (لَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: بَلِ الْإِلَهِيَّةُ لَيْسَتْ إِلَّا لِرَبِّي فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي وَيُبْصِرُ، كَمَا قَالَ: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طَهَ: 46] وَيَقْضِي الْحَوَائِجَ: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت