فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 2716

(إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ(158)

ظَاهِرُ قوله تَعَالَى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) أَنَّهُ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَالَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِثْمَ فِي فِعْلِهِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ، ثُمَّ يَمْتَازُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ، أَوْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَقْسَامِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ ألْبَتَّةَ عَلَى خُصُوصِيَّةٍ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذَا السَّعْيَ رُكْنٌ، وَلَا يَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَيَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ، أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ.

أَحَدُهَا: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» ،

«فَإِنْ قِيلَ» : هَذَا الْحَدِيثُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ السَّعْيِ وَهُوَ الْعَدْوُ، ذَلِكَ غَيْرُ وَاجِبٍ؟

قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّعْيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَدْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) [الْجُمُعَةِ: 9] وَالْعَدْوُ فِيهِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا مَا سَعى) [النَّجْمِ: 39] وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْعَدْوَ، بَلِ الْجِدَّ وَالِاجْتِهَادَ فِي الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ.

سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعَدْوِ، وَلَكِنَّ الْعَدْوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى صِفَةِ تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ فِي حَقِّ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَبْقَى أَصْلُ الْمَشْيِ وَاجِبًا.

وَثَانِيهَا: مَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَعَى لَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا فِي حَجَّتِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ.

وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَعَى وَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا السَّعْيُ لِلْقُرْآنِ وَالْخَبَرِ، أَمَّا الْقُرْآنُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّبِعُوهُ) وَقَوْلُهُ: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) [آلِ عِمْرَانَ: 31] وَقَوْلُهُ: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الْأَحْزَابِ: 21]

وَأَمَّا الْخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»

وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ أَشْوَاطٌ شُرِعَتْ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْحَرَمِ، أَوْ يُؤْتَى بِهِ فِي إِحْرَامٍ كَامِلٍ فَكَانَ جِنْسُهَا رُكْنًا كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَلَا يَلْزَمُ طَوَافُ الصَّدْرِ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِلْجِنْسِ لِوُجُوبِهِ مَرَّةً.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)

فالَّذِينَ قَالُوا: السَّعْيُ وَاجِبٌ، فَسَّرُوا هَذَا التَّطَوُّعَ بِالسَّعْيِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالسَّعْيِ فِي الْحَجَّةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّاكِرَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمُظْهِرُ لِلْإِنْعَامِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ، فَالشَّاكِرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَجَازٌ، وَمَعْنَاهُ الْمُجَازِي عَلَى الطَّاعَةِ: وَإِنَّمَا سَمَّى الْمُجَازَاةَ عَلَى الطَّاعَةِ شُكْرًا لِوُجُوهٍ.

الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّلَطُّفِ لِلْعِبَادِ مُبَالَغَةً فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) [الْبَقَرَةِ: 245] وَهُوَ تَعَالَى لَا يَسْتَقْرِضُ مِنْ عِوَضٍ، وَلَكِنَّهُ تَلَطُّفٌ فِي الِاسْتِدْعَاءِ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ الْمُقْرِضِ بِأَنْ يُقَدِّمَ فَيَأْخُذَ أَضْعَافَ مَا قَدَّمَ.

الثَّانِي: أَنَّ الشُّكْرَ لَمَّا كَانَ مُقَابِلًا لِلْإِنْعَامِ أَوِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ سُمِّيَ كُلُّ مَا كَانَ جَزَاءً شُكْرًا عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ.

الثَّالِثُ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَنَا وَإِنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِكَ إِلَّا أَنِّي أَجْعَلُ لَهَا مِنَ الْمَوْقِعِ بِحَيْثُ لَوْ صَحَّ عَلَيَّ أَنْ أَنْتَفِعَ بِهَا لَمَا ازْدَادَ وَقْعُهُ عَلَى مَا حَصَلَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ أَنَّ طَاعَةَ الْعَبْدِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَوَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْقَبُولِ فِي أَقْصَى الدَّرَجَاتِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: (عَلِيمٌ) فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْلَمُ قَدْرَ الْجَزَاءِ فَلَا يَبْخَسُ الْمُسْتَحِقَّ حَقَّهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِقَدْرِهِ وَعَالِمٌ بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنَ التَّفَضُّلِ، وَهُوَ أَلْيَقُ بِالْكَلَامِ لِيَكُونَ لقوله تَعَالَى: (عَلِيمٌ) تعلق بشاكر.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَأْتِي الْعَبْدُ فَيَقُومُ بِحَقِّهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَمَا يَفْعَلُهُ لَا عَلَى هَذَا الْحَدِّ، وَذَلِكَ تَرْغِيبٌ فِي أَدَاءِ مَا يَجِبُ عَلَى شُرُوطِهِ، وَتَحْذِيرٌ من خلاف ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت