الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ إِمَّا غَافِلًا عَنْ ذَلِكَ الظَّالِمِ أَوْ عَاجِزًا عَنِ الِانْتِقَامِ، أَوْ كَانَ رَاضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، وَلَمَّا كَانَتِ الْغَفْلَةُ وَالْعَجْزُ وَالرِّضَا بِالظُّلْمِ مُحَالًا عَلَى اللَّهِ امْتَنَعَ أَنْ لَا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْسَبَ اللَّهَ موصوفا بالغفلة؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِهِ التَّثْبِيتُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْسَبُ اللَّهَ غَافِلًا، كَقَوْلِهِ: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الْأَنْعَامِ: 14] (وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ) [القصص: 88] وكقوله: (ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) .
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لَكَانَ عَدَمُ الِانْتِقَامِ لِأَجْلِ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، وَلَمَّا كَانَ امْتِنَاعُ هَذِهِ الْغَفْلَةِ مَعْلُومًا لِكُلِّ أَحَدٍ لَا جَرَمَ كَانَ عَدَمُ الِانْتِقَامِ مُحَالًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ وَلَا تَحْسَبَنَّهُ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْغَافِلِ عَمَّا يَعْمَلُونَ، وَلَكِنْ مُعَامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمُ الْمُحَاسِبِ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الظَّاهِرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ خِطَابًا مَعَ الْأُمَّةِ، وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أَنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وَتَهْدِيدٌ لِلظَّالِمِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَخِّرُ عِقَابَ هَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ لِيَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتٍ.