فِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: (فَقاتِلْ) بِمَاذَا تَتَعَلَّقُ؟
فِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ) [النِّسَاءِ: 74] مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى إِنْ أَرَدْتَ الْفَوْزَ فَقَاتِلْ
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: (وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء: 75] (فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [النساء: 84]
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَعْنَى مَا ذَكَرَ مِنْ قَصَصِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ أَخْلَاقِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ كَذَا وَكَذَا، فَلَا تَعْتَدَّ بِهِمْ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى أَفْعَالِهِمْ، بَلْ قَاتِلْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُ بِالْجِهَادِ وَلَوْ وَحْدَهُ قَبْلَ دُعَاءِ النَّاسِ فِي بَدْرٍ الصُّغْرَى إِلَى الْخُرُوجِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَاعَدَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللِّقَاءَ فِيهَا، فَكَرِهَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَخْرُجُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَخَرَجَ وَمَا مَعَهُ إِلَّا سَبْعُونَ رَجُلًا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى أَحَدٍ، وَلَوْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ لَخَرَجَ وَحْدَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَشْجَعَ الْخَلْقِ وَأَعْرَفَهُمْ بِكَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ لِأَنَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَلَقَدِ اقْتَدَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حَيْثُ حَاوَلَ الْخُرُوجَ وَحْدَهُ إِلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّه وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّه سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ)
دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُسَاعِدْهُ عَلَى الْقِتَالِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجِهَادِ ألْبَتَّةَ، وَالْمَعْنَى لَا تُؤَاخَذُ إِلَّا بِفِعْلِكَ دُونَ فِعْلِ غَيْرِكَ، فَإِذَا أَدَّيْتَ فِعْلَكَ لَا تُكَلَّفُ بِفَرْضِ غَيْرِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي حَقِّ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَمَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يُفِيدُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلَافِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّهُ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِدَلِيلِ قوله تَعَالَى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67] وبدليل قوله هاهنا: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وَ «عَسَى» مِنَ اللَّه جَزْمٌ، فَلَزِمَهُ الْجِهَادُ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا هُوَ
الْجِهَادُ وَتَحْرِيضُ النَّاسِ فِي الْجِهَادِ، فَإِنْ أَتَى بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ غَيْرِهِ تَارِكًا لِلْجِهَادِ شَيْءٌ.