(وَالطُّورِ(1) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)
وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6)
مَا الْحِكْمَةُ فِي تَنْكِيرِ الْكِتَابِ وَتَعْرِيفِ بَاقِي الْأَشْيَاءِ؟
نَقُولُ مَا يَحْتَمِلُ الْخَفَاءَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُلْتَبِسَةِ بِأَمْثَالِهَا مِنَ الْأَجْنَاسِ يُعَرَّفُ بِاللَّامِ، فَيُقَالُ رَأَيْتُ الْأَمِيرَ وَدَخَلْتُ عَلَى الْوَزِيرِ، فَإِذَا بَلَغَ الْأَمِيرُ الشُّهْرَةَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ الِالْتِبَاسُ مَعَ شُهْرَتِهِ، وَيُرِيدُ الْوَاصِفُ وَصْفَهُ بِالْعَظَمَةِ، يَقُولُ: الْيَوْمَ رَأَيْتُ أَمِيرًا مَا لَهُ نَظِيرٌ جَالِسًا وَعَلَيْهِ سِيمَا الْمُلُوكِ وَأَنْتَ تُرِيدُ ذَلِكَ الْأَمِيرَ الْمَعْلُومَ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّكَ بِالتَّنْكِيرِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَنْ يُعْلَمَ وَيُعْرَفَ بِكُنْهِ عَظَمَتِهِ، فَيَكُونُ كَقوله تَعَالَى: (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ) [الْحَاقَّةِ: 1 - 3] فَاللَّامُ وَإِنْ كَانَتْ مُعَرِّفَةً لَكِنْ أَخْرَجَهَا عَنِ الْمَعْرِفَةِ كَوْنُ شِدَّةِ هَوْلِهَا غير معروف، فكذلك هاهنا الطُّورُ لَيْسَ فِي الشُّهْرَةِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ اللَّبْسُ عِنْدَ التَّنْكِيرِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَأَمَّا الْكِتَابُ الْكَرِيمُ فَقَدْ تَمَيَّزَ عَنْ سَائِرِ الْكُتُبِ، بِحَيْثُ لَا يَسْبِقُ إِلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظُ الْكِتَابِ إِلَّا ذَلِكَ، فَلَمَّا أُمِنَ اللَّبْسُ وَحَصَلَتْ فَائِدَةُ التَّعْرِيفِ سَوَاءٌ ذُكِرَ بِاللَّامِ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ قَصْدًا لِلْفَائِدَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ فِي الذِّكْرِ بِالتَّنْكِيرِ، وَفِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ لِمَّا لَمْ تَحْصُلْ فَائِدَةُ التَّعْرِيفِ إِلَّا بِآلَةِ التَّعْرِيفِ اسْتَعْمَلَهَا، وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ مِنْهُ الْقُرْآنُ وَكَذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ مَشْهُورٌ.
* مَا الْفَائِدَةُ فِي قوله تَعَالَى: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) وَعَظَمَةُ الْكِتَابِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ لا بخطه ورقه؟
نَقُولُ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْوُضُوحِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكِتَابَ الْمَطْوِيَّ لَا يُعْلَمُ مَا فِيهِ فَقَالَ هُوَ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَلَيْسَ كَالْكُتُبِ الْمَطْوِيَّةِ وَعَلَى هَذَا الْمُرَادِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَمَعْنَاهُ هُوَ مَنْشُورٌ لَكُمْ لَا يَمْنَعُكُمْ أَحَدٌ مِنْ مُطَالَعَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ كِتَابُ أَعْمَالِ كُلِّ أَحَدٍ فَالتَّنْكِيرُ لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِعَيْنِهِ وَ (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) لِبَيَانِ وَصْفِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا) [الْإِسْرَاءِ: 13] وَذَلِكَ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَعْرُوفِ إِذَا وُصِفَ كَانَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ أَقْرَبَ شَبَهًا.
* فِي بَعْضِ السُّورِ أَقْسَمَ بِجُمُوعٍ كما في قوله تَعَالَى: (وَالذَّارِياتِ) وقوله (وَالْمُرْسَلاتِ) وقوله (وَالنَّازِعاتِ) وَفِي بَعْضِهَا بِإِفْرَادٍ كَمَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَيْثُ قَالَ: (وَالطُّورِ) وَلَمْ يَقُلْ وَالْأَطْوَارِ وَالْبِحَارِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قُلْنَا الْمُرَادُ مِنَ الطُّورِ الْجَبَلُ الْعَظِيمُ كَالطَّوْدِ، كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) [النِّسَاءِ: 154] أَيِ الْجَبَلَ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
نَقُولُ فِي الْجُمُوعِ فِي أَكْثَرِهَا أَقْسَمَ بِالْمُتَحَرِّكَاتِ وَالرِّيحُ الْوَاحِدَةُ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ حَتَّى يَقَعَ الْقَسَمُ بِهَا، بَلْ هِيَ مُتَبَدِّلَةٌ بِأَفْرَادِهَا مُسْتَمِرَّةٌ بِأَنْوَاعِهَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّبَدُّلِ وَالتَّغَيُّرِ فَقَالَ: (وَالذَّارِياتِ) إِشَارَةً إِلَى النَّوْعِ الْمُسْتَمِرِّ إِلَى الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ الْمُسْتَقِرِّ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ ثَابِتٌ قَلِيلُ التَّغَيُّرِ وَالْوَاحِدُ مِنَ الْجِبَالِ دَائِمٌ زَمَانًا وَدَهْرًا، فَأَقْسَمَ فِي ذَلِكَ بالواحد وكذلك قوله وَالنَّجْمِ وَالرِّيحُ مَا عُلِمَ الْقَسَمُ بِهِ وَفِي الطُّورِ علم.