فهرس الكتاب

الصفحة 2025 من 2716

«فَإِنْ قِيلَ» : أَيُّ تَعَلُّقٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: (اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ) وَبَيْنَ قَوْلِهِ: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُودَ) ؟

قُلْنَا بَيَانُ هَذَا التَّعَلُّقِ مِنْ وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: كَأَنَّهُ قِيلَ إِنْ كُنْتَ قَدْ شَاهَدْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالِ جَرَاءَتَهُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِنْكَارَهُمُ الْحَشْرَ وَالنَّشْرَ، فَاذْكُرْ قِصَّةَ دَاوُودَ حَتَّى تَعْرِفَ شِدَّةَ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ يَوْمِ الْحَشْرِ، فَإِنَّ بِقَدْرِ مَا يَزْدَادُ أَحَدُ الضِّدَّيْنِ شَرَفًا يَزْدَادُ الضِّدُّ الْآخَرُ نُقْصَانًا.

وَالثَّانِي: كَأَنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِسَبَبِ إِنْكَارِهِمْ لِقَوْلِكَ وَدِينِكَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا خَالَفُوكَ فَالْأَكَابِرُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَافَقُوكَ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ لِلنَّاسِ فِي قِصَّةِ دَاوُودَ قَوْلَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَنْبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ كَانَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ فِيهِ كَأَنَّهُ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ حُزْنَكَ لَيْسَ إِلَّا لِأَنَّ الْكُفَّارَ يُكَذِّبُونَكَ، وَأَمَّا حُزْنُ دَاوُودَ فَكَانَ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حُزْنَهُ أَشَدُّ، فَتَأَمَّلْ فِي قِصَّةِ دَاوُودَ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ الْعَظِيمِ حَتَّى يَخِفَّ عَلَيْكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ.

وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَالَ الْخَصْمَانِ اللَّذَانِ دَخَلَا عَلَى دَاوُودَ كَانَا مِنَ الْبَشَرِ، وَإِنَّمَا دَخَلَا عَلَيْهِ لِقَصْدِ قَتْلِهِ فَخَافَ مِنْهُمَا دَاوُودُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِيذَائِهِمَا وَلَا دَعَا عَلَيْهِمَا بِسُوءٍ بَلِ اسْتَغْفَرَ لَهُمَا عَلَى مَا سَيَجِيءُ تَقْرِيرُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَلَا جَرَمَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ.

وَالْخَامِسُ: أَنَّ قُرَيْشًا إِنَّمَا كَذَّبُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ إِنَّهُ يَتِيمٌ فَقِيرٌ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَصَّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَالَ مَمْلَكَةِ دَاوُودَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مَا سَلِمَ مِنَ الْأَحْزَانِ وَالْغُمُومِ، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْخَلَاصَ عَنِ الْحُزْنِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا.

وَالسَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُودَ) غَيْرُ مُقْتَصِرٍ عَلَى دَاوُودَ فَقَطْ بَلْ ذَكَرَ عَقِيبَ قِصَّةِ دَاوُودَ قِصَصَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاعْتَبِرْ بِحَالِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لِيُعَلِّمَهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ مَشْغُولًا بِهَمٍّ خَاصٍّ وَحُزْنٍ خَاصٍّ، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ وَالْمَتَاعِبِ فِي الدُّنْيَا، وهذه وجوه ذكرناها في هذا المقام.

وهاهنا وَجْهٌ آخَرُ أَقْوَى وَأَحْسَنُ مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، وَسَيَجِيءُ ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ) [ص: 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت