وَإِنَّمَا قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَ تَقْلِيبِ الْأَفْئِدَةِ عَلَى تَقْلِيبِ الْأَبْصَارِ لِأَنَّ مَوْضِعَ الدَّوَاعِي وَالصَّوَارِفِ هُوَ الْقَلْبُ.
فَإِذَا حَصَلَتِ الدَّاعِيَةُ فِي الْقَلْبِ انْصَرَفَ الْبَصَرُ إِلَيْهِ شَاءَ أَمْ أَبَى وَإِذَا حَصَلَتِ الصَّوَارِفُ فِي الْقَلْبِ انْصَرَفَ الْبَصَرُ عَنْهُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يُبْصِرُهُ فِي الظَّاهِرِ.
إِلَّا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ ذَلِكَ الْإِبْصَارُ سَبَبًا لِلْوُقُوفِ عَلَى الْفَوَائِدِ الْمَطْلُوبَةِ.
وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قوله تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا) فَلَمَّا كَانَ الْمَعْدِنُ هُوَ الْقَلْبَ وَأَمَّا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ فَهُمَا آلَتَانِ لِلْقَلْبِ كَانَا لَا مَحَالَةَ تَابِعَيْنِ لِأَحْوَالِ الْقَلْبِ.
فَلِهَذَا السَّبَبِ وَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِذِكْرِ تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ تَقْلِيبِ الْبَصَرِ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وقع الِابْتِدَاءُ بِذِكْرِ تَحْصِيلِ الْكِنَانِ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ السَّمْعِ.