فهرس الكتاب

الصفحة 1167 من 2716

قَوْلُهُ: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) وقَوْلُهُ: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)

اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ عَلَى وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا) اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمُ الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِكُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ ذَلِكَ وَهُوَ التَّوْبَةُ، فَقَالَ: (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْمُحَرِّضَ عَلَيْهَا هُوَ الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّه إِلَّا بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُذْنِبَ مُعْرِضٌ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، والمعرض والمتمادي فِي التَّبَاعُدِ مَا لَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ الْإِعْرَاضِ لَا يُمْكِنُهُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ، فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْمَطْلُوبِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّا يُضَادُّهُ، فَثَبَتَ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَطْلُوبٌ بِالذَّاتِ، وَأَنَّ التَّوْبَةَ مَطْلُوبَةٌ لِكَوْنِهَا مِنْ مُتَمِّمَاتِ الِاسْتِغْفَارِ، وَمَا كَانَ آخِرًا فِي الْحُصُولِ كَانَ أَوَّلًا فِي الطَّلَبِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاسْتِغْفَارِ عَلَى التَّوْبَةِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي فَائِدَةِ هَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّ الْمُرَادَ: اسْتَغْفِرُوا مِنْ سَالِفِ الذُّنُوبِ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فِي الْمُسْتَأْنَفِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي، ثُمَّ تُوبُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الْبَاطِلَةِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الِاسْتِغْفَارُ طَلَبٌ مِنَ اللَّه لِإِزَالَةِ مَا لَا يَنْبَغِي وَالتَّوْبَةُ سَعْيٌ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي إِزَالَةِ مَا لَا يَنْبَغِي، فَقَدَّمَ الِاسْتِغْفَارَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ يَجِبُ أَنْ لَا يَطْلُبَ الشَّيْءَ إِلَّا مِنْ مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، ثُمَّ بَعْدَ الِاسْتِغْفَارِ ذَكَرَ التَّوْبَةَ لِأَنَّهَا عَمَلٌ يَأْتِي بِهِ الْإِنْسَانُ وَيَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِفَضْلِ اللَّه تَعَالَى مُقَدَّمَةٌ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِسَعْيِ النَّفْسِ.

وَفِي الْآيَةِ سُؤَالَاتٌ:

السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: أَلَيْسَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»

وَقَالَ أَيْضًا: «خُصَّ الْبَلَاءُ بِالْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ الْأَوْلِيَاءِ ثُمَّ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ»

وَقَالَ تَعَالَى: (وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ) [الزُّخْرُفِ: 33] فَهَذِهِ النُّصُوصُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ الْمُشْتَغِلِ بِالطَّاعَاتِ فِي الدُّنْيَا هُوَ الشِّدَّةُ وَالْبَلِيَّةُ.

وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ نَصِيبَ الْمُشْتَغِلِ بِالطَّاعَاتِ الرَّاحَةُ فِي الدُّنْيَا فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟

الْجَوَابُ: مِنْ وُجُوهٍ.

الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُهُمْ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ كَمَا اسْتَأْصَلَ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ كَفَرُوا.

الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى يُوَصِّلُ إِلَيْهِمُ الرِّزْقَ كَيْفَ كَانَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ) [طه: 132]

الثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَقْوَى عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ الْمُشْتَغِلَ بِعِبَادَةِ اللَّه وَبِمَحَبَّةِ اللَّه مُشْتَغِلٌ بِحُبِّ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ تَغَيُّرُهُ وَزَوَالُهُ وَفَنَاؤُهُ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ إِمْعَانُهُ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ أَكْثَرَ وَتَوَغُّلُهُ فِيهِ أَتَمَّ كَانَ انْقِطَاعُهُ عَنِ الْخَلْقِ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، وَكُلَّمَا كَانَ الْكَمَالُ فِي هَذَا الْبَابِ أَكْثَرَ، كَانَ الِابْتِهَاجُ وَالسُّرُورُ أَتَمَّ، لِأَنَّهُ أَمِنَ مِنْ تَغَيُّرِ مَطْلُوبِهِ، وَأَمِنَ مِنْ زَوَالِ مَحْبُوبِهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِحُبِّ غَيْرِ اللَّه، كَانَ أَبَدًا فِي أَلَمِ الْخَوْفِ مِنْ فَوَاتِ الْمَحْبُوبِ وَزَوَالِهِ، فَكَانَ عَيْشُهُ مُنَغَّصًا وَقَلْبُهُ مُضْطَرِبًا، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي صِفَةِ الْمُشْتَغِلِينَ بِخِدْمَتِهِ (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النَّحْلِ: 97] .

السُّؤَالُ الثَّانِي: هَلْ يَدُلُّ قَوْلُهُ: (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ أَجَلَيْنِ، وَأَنَّهُ يَقَعُ فِي ذَلِكَ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ؟

وَالْجَوَابُ: لَا، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ بِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ لَوِ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ لَكَانَ أَجَلُهُ فِي الْوَقْتِ الْفُلَانِيِّ، وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهَا لَكَانَ أَجَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَوِ اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ أَمْ لَا فَإِنَّ أَجَلَهُ لَيْسَ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ، فَثَبَتَ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَجَلًا وَاحِدًا فَقَطْ.

السُّؤَالُ الثَّالِثُ: لِمَ سَمَّى مَنَافِعَ الدُّنْيَا بِالْمَتَاعِ؟

الْجَوَابُ: لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ عَلَى حَقَارَتِهَا وَقِلَّتِهَا، وَنَبَّهَ عَلَى كَوْنِهَا مُنْقَضِيَةً بِقوله تَعَالَى: (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى كَوْنِهَا حَقِيرَةً خَسِيسَةً مُنْقَضِيَةً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت