فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 2716

(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ...(200)

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ) فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْحَجِّ يُبَالِغُونَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ) يَعْنِي تَوَفَّرُوا عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا كُنْتُمْ تَتَوَفَّرُونَ عَلَى ذِكْرِ الْآبَاءِ وَابْذُلُوا جُهْدَكُمْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَشَرْحِ آلَائِهِ وَنَعْمَائِهِ كَمَا بَذَلْتُمْ جُهْدَكُمْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى آبَائِكُمْ لِأَنَّ هَذَا أَوْلَى وَأَقْرَبُ إِلَى الْعَقْلِ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الْآبَاءِ، فَإِنَّ ذِكْرَ مَفَاخِرِ الْآبَاءِ إِنْ كَانَ كَذِبًا فَذَلِكَ يُوجِبُ الدَّنَاءَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقُوبَةَ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ صِدْقًا فَذَلِكَ يُوجِبُ الْعُجْبَ وَالْكِبْرَ وَكَثْرَةَ الْغُرُورِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُهْلِكَاتِ، فَثَبَتَ أَنَّ اشْتِغَالَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَى مِنِ اشْتِغَالِكُمْ بِمَفَاخِرِ آبَائِكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَحْصُلِ الْأَوْلَوِيَّةُ فَلَا أَقَلَّ مِنَ التَّسَاوِي.

وَثَانِيهَا: قَالَ الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آبائكم وَأُمَّهَاتَكُمْ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْآبَاءِ عَنِ الْأُمَّهَاتِ كَقَوْلِهِ: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النَّحْلِ: 81] قَالُوا وَهُوَ قَوْلُ الصَّبِيِّ أَوَّلَ مَا يُفْصِحُ الْكَلَامَ أَبَهْ أَبَهْ، أَمَّهْ أَمَّهْ، أَيْ كُونُوا مُوَاظِبِينَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا يَكُونُ الصَّبِيُّ فِي صِغَرِهِ مُوَاظِبًا عَلَى ذِكْرِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.

وَثَالِثُهَا: قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: جَرَى ذِكْرُ الْآبَاءِ مَثَلًا لِدَوَامِ الذِّكْرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ كَمَا لَا يَنْسَى ذِكْرَ أَبِيهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَغْفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

وَرَابِعُهَا: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانَ أَكْثَرُ أَقْسَامِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْآبَاءِ كَقَوْلِهِ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ وَجَدِّي وجدكم، فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آبائكم.

وَخَامِسُهَا: قَالَ بَعْضُ الْمَذْكُورِينَ: الْمَعْنَى اذْكُرُوا اللَّهَ بالوحدانية كذكركم آبائكم بِالْوَحْدَانِيَّةِ فَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ لَوْ نُسِبَ إِلَى وَالِدَيْنِ لَتَأَذَّى وَاسْتَنْكَفَ مِنْهُ ثُمَّ كَانَ يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ آلِهَةً فَقِيلَ لَهُمْ: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد هاهنا أَوْلَى مِنْ هُنَاكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) .

وَسَادِسُهَا: أَنَّ الطِّفْلَ كَمَا يَرْجِعُ إِلَى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذكرا لَهُ بِالتَّعْظِيمِ، فَكُونُوا أَنْتُمْ فِي ذِكْرِ اللَّهِ كَذَلِكَ.

وَسَابِعُهَا: يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ آبَاءَهُمْ لِيَتَوَسَّلُوا بِذِكْرِهِمْ إِلَى إِجَابَةِ الدُّعَاءِ عِنْدَ اللَّهِ فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ آبَاءَهُمْ لَيْسُوا فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِذْ أَفْعَالُهُمُ الْحَسَنَةُ صَارَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ وَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَعْدِيدَ آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ وَتَكْثِيرَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إِلَى تَوَاتُرِ النِّعَمِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَحْلِفُوا بِآبَائِهِمْ

فَقَالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»

إِذَا كَانَ مَا سِوَى اللَّهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ فَالْأَوْلَى تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا إِلَهَ غَيْرَهُ.

وَثَامِنُهَا: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدِكَ إِذَا ذُكِرَ بِسُوءٍ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ وَإِنْ كَانَتْ مُحْتَمَلَةً إِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ وَجَمِيعُ الْوُجُوهِ مُشْتَرِكَةٌ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ دَائِمَ الذِّكْرِ لِرَبِّهِ دَائِمَ التَّعْظِيمِ لَهُ دَائِمَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ مُهِمَّاتِهِ دَائِمَ الِانْقِطَاعِ عَمَّنْ سِوَاهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) مَعْنَاهُ: بَلْ أَشَدُّ ذِكْرًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَفَاخِرَ آبَائِهِمْ كَانَتْ قَلِيلَةً، أَمَّا صِفَاتُ الْكَمَالِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ اشْتِغَالُهُمْ بِذِكْرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَشَدَّ مِنِ اشْتِغَالِهِمْ بِذِكْرِ مَفَاخِرِ آبَائِهِمْ.

قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمَجَازُ اللُّغَةِ فِي مِثْلِ هَذَا مَعْرُوفٌ، يَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ هَذَا إِلَى شَهْرٍ أَوْ أَسْرَعَ مِنْهُ، لَا يُرِيدُ بِهِ التَّشْكِيكَ، إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ النَّقْلَ عَنِ الْأَوَّلِ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت