قَوْلُهُ: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ)
مَعْنَاهُ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ أَوْ أَوَّلَ فَرِيقٍ أَوْ فَوْجٍ كَافِرٍ بِهِ أَوْ وَلَا يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ.
ثُمَّ فِيهِ سؤالان:
الْأَوَّلُ: كَيْفَ جُعِلُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الْكُفْرِ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ؟
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا تعريض بِأَنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ وَبِصِفَتِهِ وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا هُمُ الْمُبَشِّرُونَ بِزَمَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ فَلَمَّا بُعِثَ كَانَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْعَكْسِ لِقوله تَعَالَى: (فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) [الْبَقَرَةِ: 89] .
وَثَانِيهَا: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ وَلَا تَكُونُوا مِثْلَ أَوَّلِ كَافِرٍ بِهِ يَعْنِي مَنْ أَشْرَكَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ وَلَا تَكُونُوا وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ مَذْكُورًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِثْلَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ لَا كِتَابَ لَهُ.
وَثَالِثُهَا: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَإِنْ كَانَتْ قُرَيْشٌ كَفَرُوا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَرَابِعُهَا: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، يَعْنِي بِكِتَابِكُمْ يَقُولُ ذَلِكَ لِعُلَمَائِهِمْ: أَيْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ أَحَدٍ مِنْ أمتكم كذب كِتَابُكُمْ لِأَنَّ تَكْذِيبَكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يوجب تَكْذِيبَكُمْ بِكِتَابِكُمْ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ بَيَانُ تَغْلِيظِ كُفْرِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا شَاهَدُوا الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِهِ عَرَفُوا الْبِشَارَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِمَقْدَمِهِ فَكَانَ كُفْرُهُمْ أَشَدَّ مِنْ كُفْرِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا نَوْعًا وَاحِدًا مِنَ الدَّلِيلِ وَالسَّابِقُ إِلَى الْكُفْرِ يَكُونُ أَعْظَمَ ذَنْبًا مِمَّنْ بَعْدَهُ
لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ سن سيئة سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا»
فَلَمَّا كَانَ كَفْرُهُمْ عَظِيمًا وَكُفْرُ مَنْ كَانَ سَابِقًا فِي الْكُفْرِ عَظِيمًا فَقَدِ اشْتَرَكَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَصَحَّ إِطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ.
وَسَادِسُهَا: الْمَعْنَى وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ جَحَدَ مَعَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ كُفْرَ قُرَيْشٍ كَانَ مَعَ الْجَهْلِ لَا مَعَ الْمَعْرِفَةِ.
وَسَابِعُهَا: أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ مِنَ الْيَهُودِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَبِهَا قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ فَكَفَرُوا بِهِ ثُمَّ تَتَابَعَتْ سَائِرُ الْيَهُودِ عَلَى ذَلِكَ الْكُفْرِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) [الْبَقَرَةِ: 47، 122] أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانِهِمْ.
وَثَامِنُهَا: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ عِنْدَ سَمَاعِكُمْ بِذِكْرِهِ بَلْ تَثَبَّتُوا فِيهِ وَرَاجِعُوا عُقُولَكُمْ فِيهِ،.
وَتَاسِعُهَا: أَنَّ لَفْظَ: «أَوَّلَ» صِلَةٌ وَالْمَعْنَى وَلَا تَكُونُوا كَافِرِينَ بِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.