فهرس الكتاب

الصفحة 2299 من 2716

قال هاهنا (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ، وقال: (ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ) [النَّمْلِ: 81] (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [فَاطِرٍ: 22] عَلَى وَجْهِ الْإِضَافَةِ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟

نَقُولُ الْكَلَامُ قَدْ يَخْرُجُ أَوَّلًا مَخْرَجَ الْعُمُومِ، ثُمَّ يُخَصَّصُ لِأَمْرٍ مَا لَا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، يَقُولُ الْقَائِلُ: فُلَانٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَكُونُ غَرَضُهُ التَّعْمِيمَ، فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ: يُعْطِي مَنْ، وَيَمْنَعُ مَنْ؟

يَقُولُ زَيْدًا وَعَمْرًا، وَيَأْتِي بِالْمُخَصَّصِ لَا لِغَرَضِ التَّخْصِيصِ، وَقَدْ يَخْرُجُ أَوَّلًا مَخْرَجَ الْخُصُوصِ، فَيَقُولُ فُلَانٌ يُعْطِي زَيْدًا مَالَهُ إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ) كَلَامٌ لَوِ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ لَكَانَ لِلْعُمُومِ، فَأَتَى بِلَفْظِ الْعَبِيدِ لَا لِكَوْنِ عَدَمِ الظُّلْمِ مُخْتَصًّا بِهِمْ، بَلْ لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إِلَى كَوْنِهِمْ مَحَلَّ الظُّلْمِ مِنْ نَفْسِهِ تَعَالَى، وَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ فِي نَفْسِهِ هَادِيًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ ذَلِكَ الْخَاصِّ فقال: (وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ) وَمَا قَالَ: مَا أَنْتَ بِهَادٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) [الزُّمَرِ: 36] .

* الْعَبِيدُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الكفار، كما في قوله تَعَالَى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ) [يس: 30] يعني أعذبهم وما أن بِظَلَّامٍ لَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْمُؤْمِنِينَ وَوَجْهُهُ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: لَوْ أَبْدَلْتُ الْقَوْلَ وَرَحِمْتُ الْكَافِرَ، لَكُنْتُ فِي تَكْلِيفِ الْعِبَادِ ظَالِمًا لِعِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنِّي مَنَعْتُهُمْ مِنَ الشَّهَوَاتِ لِأَجْلِ هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنْ كَانَ يَنَالُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بِمَا أَتَى الْمُؤْمِنُ مَا يَنَالُهُ الْمُؤْمِنُ، لَكَانَ إِتْيَانُهُ بِمَا أَتَى بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعِبَادَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ فَائِدَةً، وَهَذَا مَعْنَى قوله تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ) [الْحَشْرِ: 20] وَمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [الزُّمَرِ: 9] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) [النِّسَاءِ: 95] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التعميم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت