وفيه مسائل:
الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَذاقَهُمْ) فِيهِ لَطِيفَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّوْقَ يُقَالُ فِي الْقَلِيلِ فَإِنَّ الْعُرْفَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ مَأْكُولًا كَثِيرًا لَا يَقُولُ ذُقْتُ، وَيُقَالُ فِي النَّفْيِ مَا ذُقْتُ فِي بَيْتِهِ طَعَامًا نَفْيًا لِلْقَلِيلِ لِيَلْزَمَ نَفْيُ الْكَثِيرِ بِالْأَوْلَى، ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الرَّحْمَةَ لَمَّا كَانَتْ خَالِيَةً مُنْقَطِعَةً وَلَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً فِي الْآخِرَةِ إِذْ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ قَالَ (أَذَاقَهُمْ) وَلِهَذَا قَالَ فِي الْعَذَابِ: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [الْقَمَرِ: 48] (ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الْعَنْكَبُوتِ: 55] (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدُّخَانِ: 49] لِأَنَّ عَذَابَ اللَّهِ الْوَاصِلَ إِلَى الْعَبْدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّحْمَةِ الْوَاصِلَةِ إِلَى عَبِيدٍ آخَرِينَ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْهُ) أَيْ مِنَ الضُّرِّ فِي هَذَا التَّخْصِيصِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْفَائِدَةِ وَهِيَ أَنَّ الرَّحْمَةَ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ لَهُمْ إِنَّمَا هِيَ عَنْ ذَلِكَ الضُّرِّ وَحْدَهُ، وَأَمَّا الضُّرُّ الْمُؤَخَّرُ فَلَا يَذُوقُونَ مِنْهُ رَحْمَةً.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ هَاهُنَا (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) وَقَالَ فِي الْعَنْكَبُوتِ: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) [الْعَنْكَبُوتِ: 65] وَلَمْ يَقُلْ فَرِيقٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُنَاكَ ضُرٌّ مُعَيَّنٌ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ هَوْلِ الْبَحْرِ وَالْمُتَخَلِّصُ مِنْهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ قَلِيلٌ، وَالَّذِي لَا يُشْرِكُ بِهِ بَعْدَ الْخَلَاصِ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ فَلَمْ يَجْعَلِ الْمُشْرِكِينَ فَرِيقًا لِقِلَّةِ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْمَذْكُورُ هَاهُنَا الضُّرُّ مُطْلَقًا فيتناول ضر البر والبحر والأمراض والأهون وَالْمُتَخَلِّصُ مِنْ أَنْوَاعِ الضُّرِّ خَلْقٌ كَثِيرٌ بَلْ جَمِيعُ النَّاسِ يَكُونُونَ قَدْ وَقَعُوا فِي ضُرٍّ مَا وَتَخَلَّصُوا مِنْهُ، وَالَّذِي لَا يَبْقَى بَعْدَ الْخَلَاصِ مُشْرِكًا مِنْ جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ إِذَا جُمِعَ فَهُوَ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ تَخَلَّصُوا مِنْ ضُرٍّ وَلَمْ يَبْقَوْا مُشْرِكِينَ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَتَخَلَّصُوا مِنْ ضُرِّ الْبَحْرِ بِأَجْمَعِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ النَّاجِي مِنَ الضُّرِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جمعا كثيرا، جعل الباقي فريقا.