«فَإِنْ قِيلَ» : هَذَا الْكَلَامُ مَذْكُورٌ لِأَجْلِ جَوَابِ مَنْ يَقُولُ (مَا هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) فَهَذَا الْقَائِلُ كَانَ مُنْكِرًا لِوُجُودِ الْإِلَهِ وَلِوُجُودِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ إِبْطَالُ كَلَامِهِ بِقَوْلِهِ (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) وَهَلْ هَذَا إِلَّا إِثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ؟
قُلْنَا إِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ بِحُدُوثِ الْحَيَوَانِ وَالْإِنْسَانِ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ الْحَكِيمِ فِي الْقُرْآنِ مِرَارًا وَأَطْوَارًا.
فقوله هاهنا (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) إِشَارَةٌ إِلَى تِلْكَ الدَّلَائِلِ الَّتِي بَيَّنَهَا وَأَوْضَحَهَا مِرَارًا، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا الْكَلَامِ إِثْبَاتَ الْإِلَهِ بِقَوْلِ الْإِلَهِ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا هُوَ الدَّلِيلُ الْحَقُّ الْقَاطِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْإِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَثَبَتَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مِثْلُ الْإِحْيَاءِ الْأَوَّلِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى الشَّيْءِ قَادِرٌ عَلَى مِثْلِهِ، ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مُمْكِنَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَادِرَ الْحَكِيمَ أَخْبَرَ عَنْ وَقْتِ وُقُوعِهَا فَوَجَبَ الْقَطْعُ بكونها حقة.