(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ(48)
فِي هَذَا التَّرْتِيبِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) هِيَ الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) فَمَا الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّكْرَارِ؟
وَالْجَوَابُ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: (لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ غَيْرُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْجَزَاءِ، وَأَمَّا النُّصْرَةُ فَهِيَ أَنْ يُحَاوِلَ تَخْلِيصَهُ عَنْ حُكْمِ الْمُعَاقَبِ وَسَنَذْكُرُ فَرْقًا آخَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَبُولَ الشَّفَاعَةِ عَلَى أَخْذِ الْفِدْيَةِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ وَقَدَّمَ قَبُولَ الْفِدْيَةِ عَلَى ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ مَنْ كَانَ مَيْلُهُ إِلَى حُبِّ الْمَالِ أَشَدَّ مِنْ مَيْلِهِ إِلَى عُلُوِّ النَّفْسِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ التَّمَسُّكَ بِالشَّافِعِينَ عَلَى إِعْطَاءِ الْفِدْيَةِ، وَمَنْ كَانَ بِالْعَكْسِ يُقَدِّمُ الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّفَاعَةِ، فَفَائِدَةُ تَغْيِيرِ التَّرْتِيبِ، الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَأَيْنَ الْعَائِدُ مِنْهَا إِلَى الْمَوْصُوفِ؟
قُلْنَا: هُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَا تُجْزِي فِيهِ وَمَعْنَى التَّنْكِيرِ أَنَّ نَفْسًا مِنَ الْأَنْفُسِ لَا تُجْزِي عَنْ نَفْسِ غَيْرِهَا شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ الْإِقْنَاطُ الْكُلِّيُّ الْقَطَّاعُ لِلْمَطَامِعِ.