فهرس الكتاب

الصفحة 2109 من 2716

اعْلَمْ أَنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ الْمُحِقِّينَ تَحْصُلُ بِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: النُّصْرَةُ بِالْحُجَّةِ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْحُجَّةَ سُلْطَانًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهَذِهِ النُّصْرَةُ عَامَّةٌ لِلْمُحِقِّينَ أَجْمَعَ، وَنِعْمَ مَا سَمَّى اللَّهُ هَذِهِ النُّصْرَةَ سُلْطَانًا لِأَنَّ السَّلْطَنَةَ فِي الدُّنْيَا قَدْ

تَبْطُلُ، وَقَدْ تَتَبَدَّلُ بِالْفَقْرِ وَالذِّلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَالْفُتُورِ، أَمَّا السَّلْطَنَةُ الْحَاصِلَةُ بِالْحُجَّةِ فَإِنَّهَا تَبْقَى أَبَدَ الْآبَادِ وَيَمْتَنِعُ تَطَرُّقُ الْخَلَلِ وَالْفُتُورِ إِلَيْهَا.

وَثَانِيهَا: أَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ بِالْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ، فَإِنَّ الظَّلَمَةَ وَإِنْ قَهَرُوا شَخْصًا مِنَ الْمُحِقِّينَ إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِسْقَاطِ مَدْحِهِ عَنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّهُمْ مَنْصُورُونَ بِسَبَبِ أَنَّ بَوَاطِنَهُمْ مَمْلُوءَةٌ مِنْ أَنْوَارِ الْحُجَّةِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى الظَّلَمَةِ وَالْجُهَّالِ كَمَا تَنْظُرُ مَلَائِكَةُ السماوات إِلَى أَخَسِّ الْأَشْيَاءِ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّ الْمُبْطِلِينَ وَإِنْ كَانَ يَتَّفِقُ لَهُمْ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمُ اسْتِيلَاءٌ عَلَى الْمُحِقِّينَ، فَفِي الْغَالِبِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُومُ بَلْ يُكْشَفُ لِلنَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَمْرًا وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْوَاجِبِ وَنَقِيضِ الْحَقِّ.

وَخَامِسُهَا: أَنَّ الْمُحِقَّ إِنِ اتَّفَقَ لَهُ أَنْ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحْذُورِ فَذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِمَزِيدِ ثَوَابِهِ وَتَعْظِيمِ دَرَجَاتِهِ.

وَسَادِسُهَا: أَنَّ الظَّلَمَةَ وَالْمُبْطِلِينَ كَمَا يَمُوتُونَ تَمُوتُ آثَارُهُمْ وَلَا يَبْقَى لَهُمْ فِي الدُّنْيَا أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ.

وَأَمَّا الْمُحِقُّونَ فَإِنَّ آثَارَهُمْ بَاقِيَةٌ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ وَالنَّاسُ بِهِمْ يَقْتَدُونَ فِي أَعْمَالِ البر والخير ولمحنهم يَتْرُكُونَ فَهَذَا كُلُّهُ أَنْوَاعُ نُصْرَةِ اللَّهِ لِلْمُحِقِّينَ فِي الدُّنْيَا.

وَسَابِعُهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يَنْتَقِمُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، كَمَا نَصَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ قُتِلَ بِهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَأَمَّا نُصْرَتُهُ تَعَالَى إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَذَلِكَ بِإِعْلَاءِ دَرَجَاتِهِمْ فِي مَرَاتِبِ الثَّوَابِ وَكَوْنِهِمْ مُصَاحِبِينَ لِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا) [النِّسَاءِ: 69] .

وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) إِلَى قَوْلِهِ (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) دَقِيقَةً مُعْتَبَرَةً وَهِيَ أَنَّ السُّلْطَانَ الْعَظِيمَ إِذَا خَصَّ بَعْضَ خَوَاصِّهِ بِالْإِكْرَامِ الْعَظِيمِ وَالتَّشْرِيفِ الْكَامِلِ عِنْدَ حُضُورِ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ مِنْ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَانَ ذَلِكَ أَلَذَّ وَأَبْهَجَ، فَقَوْلُهُ (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا) إِلَى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت