لم قالت: (يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ جِبْرِيلَ إِلَيْهَا وَخَلَقَ وَلَدَهَا مِنْ نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَوَعَدَهَا بِأَنْ يَجْعَلَهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ؟
وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قَالَ وَهْبٌ: أَنْسَاهَا كُرْبَةَ الْغُرْبَةِ وَمَا سَمِعَتْهُ مِنَ النَّاسِ مِنْ بِشَارَةِ الْمَلَائِكَةِ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
الثَّانِي: أَنَّ عَادَةَ الصَّالِحِينَ إِذَا وَقَعُوا فِي بَلَاءٍ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى طَائِرٍ عَلَى شَجَرَةٍ فَقَالَ: طُوبَى لَكَ يَا طَائِرُ تَقَعُ عَلَى الشَّجَرَةِ وَتَأْكُلُ مِنَ الثَّمَرِ! وَدِدْتُ أَنِّي ثَمَرَةٌ يَنْقُرُهَا الطَّائِرُ!
وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَخَذَ تِبْنَةً مِنْ الْأَرْضِ وَقَالَ: لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا!
وَقَالَ عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً.
وَعَنْ بِلَالٍ: ليت بلال لَمْ تَلِدْهُ أُمُّهُ.
فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَذْكُرُهُ الصَّالِحُونَ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْأَمْرِ عَلَيْهِمْ.
الثَّالِثُ: لَعَلَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ لِكَيْ لَا تَقَعَ الْمَعْصِيَةُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا، وَإِلَّا فَهِيَ رَاضِيَةٌ بِمَا بُشِّرَتْ بِهِ.