الْمُعْتَزِلَةُ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي نَفْيِ الشَّفَاعَةِ عَنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، قَالُوا: لِأَنَّ نَاصِرَ الْإِنْسَانِ مَنْ يَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُ فَلَوِ انْدَفَعَتِ الْعُقُوبَةُ عَنْهُمْ بِشَفَاعَةِ الشُّفَعَاءِ لَكَانَ أُولَئِكَ أَنْصَارًا لَهُمْ وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُ تَعَالَى:
(وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُرْفَ لَا يُسَمِّي الشَّفِيعَ نَاصِرًا، بِدَلِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) [الْبَقَرَةِ: 48] فَفَرَّقَ تَعَالَى بَيْنَ الشَّفِيعِ وَالنَّاصِرِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَنْصَارِ نَفْيُ الشُّفَعَاءِ.
وَالْجَوَابُ الثَّانِي: لَيْسَ لِمَجْمُوعِ الظَّالِمِينَ أَنْصَارٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ لَيْسَ لِبَعْضِ الظَّالِمِينَ أَنْصَارٌ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لَفْظُ الظَّالِمِينَ وَلَفْظُ الْأَنْصَارِ جَمْعٍ، وَالْجَمْعُ إِذَا قُوبِلَ بِالْجَمْعِ تَوَزَّعَ الْفَرْدُ عَلَى الْفَرْدِ، فَكَانَ الْمَعْنَى: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الظَّالِمِينَ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ؟
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تُوجِبُ تَوَزُّعَ الْفَرْدِ عَلَى الْفَرْدِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَقَطْ لَا مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ بِالْفَرْدِ.
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ النَّافِيَ لِلشَّفَاعَةِ عَامٌّ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَفِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَالدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ لِلشَّفَاعَةِ خَاصٌّ فِي حَقِّ الْبَعْضِ وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ واللَّه أَعْلَمُ.
وَالْجَوَابُ الرَّابِعُ: مَا بَيَّنَّا أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يَكُونُ قَاطِعًا فِي الِاسْتِغْرَاقِ، بَلْ ظَاهِرًا عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ الْقَوِيِّ فَصَارَ الدَّلِيلُ ظَنِّيًّا، وَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ ظَنِّيَّةً، فَكَانَ التَّمَسُّكُ بِهَا سَاقِطًا.