(فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) [التَّوْبَةِ: 111] فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلَى الْمَالِ، وَفِي الْآيَةِ الَّتِي نحن فيها وهي قوله: (الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) قَدَّمَ ذِكْرَ الْمَالِ عَلَى النَّفْسِ، فَمَا السَّبَبُ فِيهِ؟
وَجَوَابُهُ: أَنَّ النَّفْسَ أَشْرَفُ مِنَ الْمَالِ، فَالْمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الرَّغْبَةَ فِيهَا أَشَدُّ وَالْبَائِعُ أَخَّرَ ذِكْرَهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُضَايَقَةَ فِيهَا أَشَدُّ، فَلَا يَرْضَى بِبَذْلِهَا إِلَّا فِي آخِرِ الْمَرَاتِبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ وَالْقَاعِدِينَ لَا يَسْتَوِيَانِ ثُمَّ إِنَّ عَدَمَ الِاسْتِوَاءِ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَيَحْتَمِلُ النُّقْصَانَ، لَا جَرَمَ كَشَفَ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً)
ثُمَّ قَالَ: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) أَيْ وَكُلًّا مِنَ الْقَاعِدِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فَقَدْ وَعَدَهُ اللَّه الْحُسْنَى
قَالَ الْفُقَهَاءُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجِهَادِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلَيْسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ الْقَاعِدِينَ الْحُسْنَى كَمَا وَعَدَ الْمُجَاهِدِينَ، وَلَوْ كَانَ الْجِهَادُ وَاجِبًا عَلَى التَّعْيِينِ لَمَا كَانَ الْقَاعِدُ أَهْلًا لِوَعْدِ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ الْحُسْنَى.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)
لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ تَعَالَى ذكر أولا دَرَجَةً، وهاهنا دَرَجاتٍ، وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ بِالدَّرَجَةِ لَيْسَ هُوَ الدَّرَجَةَ الْوَاحِدَةَ بِالْعَدَدِ، بَلْ بِالْجِنْسِ، وَالْوَاحِدُ بِالْجِنْسِ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْكَثِيرُ بِالنَّوْعِ، وَذَلِكَ هُوَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، وَالدَّرَجَاتُ الرَّفِيعَةُ فِي الْجَنَّةِ الْمَغْفِرَةُ وَالرَّحْمَةُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُجَاهِدَ أَفْضَلُ مِنَ الْقَاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَضِرَّاءِ بِدَرَجَةٍ، وَمِنَ الْقَاعِدِ الَّذِي يَكُونُ مِنَ الْأَصِحَّاءِ بِدَرَجَاتٍ، وَهَذَا الْجَوَابُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ قَوْلَهُ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ لَا يُوجِبُ حُصُولَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَبَيْنَ الْقَاعِدِينَ الْأَضِرَّاءِ.
الثَّالِثُ: فَضَّلَ اللَّه الْمُجَاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْغَنِيمَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي الْجَنَّةِ بِالْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ.
الرَّابِعُ: قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا الْمُجَاهِدِ هُوَ الْمُجَاهِدَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ فَقَطْ، وَإِلَّا حَصَلَ التَّكْرَارُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ مَنْ كَانَ مُجَاهِدًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، أَعْنِي فِي عَمَلِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْقَلْبِ وَهُوَ أَشْرَفُ أَنْوَاعِ الْمُجَاهَدَةِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»
وَحَاصِلُ هَذَا الْجِهَادِ صَرْفُ الْقَلْبِ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى غَيْرِ اللَّه إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ فِي طَاعَةِ اللَّه، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقَامُ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهُ لَا جَرَمَ جَعَلَ فَضِيلَةَ الْأَوَّلِ دَرَجَةً، وَفَضِيلَةَ هَذَا الثَّانِي دَرَجَاتٍ.