* قَالَتِ الشِّيعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَكْثَرَ جِهَادًا، فَالْقَدْرُ الذي فيه حصل التَّفَاوُتُ كَانَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ فِيهِ، وَعَلِيٌّ مِنَ الْقَائِمِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِنْهُ لِقوله تَعَالَى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) فَيُقَالُ لَهُمْ: إِنَّ مُبَاشَرَةَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَتْلِ الْكُفَّارِ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ مُبَاشَرَةِ الرَّسُولِ لِذَلِكَ، فَيَلْزَمُكُمْ بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّ مُجَاهَدَةَ الرَّسُولِ مَعَ الْكُفَّارِ كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ مُجَاهَدَةِ عَلِيٍّ مَعَهُمْ، لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُجَاهِدُ الْكُفَّارَ بِتَقْرِيرِ الدَّلَائِلِ وَالْبَيِّنَاتِ وَإِزَالَةِ الشُّبُهَاتِ وَالضَّلَالَاتِ، وَهَذَا الْجِهَادُ أَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ الْجِهَادِ، فَنَقُولُ: فَاقْبَلُوا مِنَّا مِثْلَهُ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا أَسْلَمَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ سَعَى فِي إِسْلَامِ سَائِرِ النَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص وعثمان بْنُ مَظْعُونٍ، وَكَانَ يُبَالِغُ فِي تَرْغِيبِ النَّاسِ في الْإِيمَانِ وَفِي الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ وَبِمَالِهِ، وَعَلِيٌّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ صَبِيًّا مَا كَانَ أَحَدٌ يُسَلِّمُ بِقَوْلِهِ، وَمَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الذَّبِّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَانَ جِهَادُ أَبِي بَكْرٍ أَفْضَلَ مِنْ جِهَادِ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ جِهَادَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حِينَ كَانَ الْإِسْلَامُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَأَمَّا جِهَادُ عَلِيٍّ فَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي الْمَدِينَةِ فِي الْغَزَوَاتِ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَوِيًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّ جِهَادَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ، وَأَكْثَرُ أَفَاضِلِ الْعَشَرَةِ إِنَّمَا أَسْلَمُوا عَلَى يَدِهِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْجِهَادِ هُوَ حِرْفَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَمَّا جِهَادُ عَلِيٍّ فَإِنَّمَا كَانَ بِالْقَتْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ.