فهرس الكتاب

الصفحة 1262 من 2716

وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمَّا تَفَكَّرُوا فِي الْأَصْوَبِ مَا هُوَ ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ الْأَصْوَبَ هُوَ الرُّجُوعُ، وَأَنْ يَذْكُرُوا لِأَبِيهِمْ كَيْفِيَّةَ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ ذَلِكَ الْكَبِيرُ الَّذِي قَالَ: (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي قِيلَ إِنَّهُ رُوبِيلُ، وَبَقِيَ هُوَ فِي مِصْرَ وَبَعَثَ سَائِرَ إِخْوَتِهِ إِلَى الْأَبِ.

«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ قَدْ أَجَابَ بِالْجَوَابِ الشَّافِي، فَقَالَ الَّذِي جَعَلَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْبِضَاعَةَ فِي رَحْلِكُمْ؟

وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ شَاهَدُوا أَنَّ الصُّوَاعَ كَانَ مَوْضُوعًا فِي مَوْضِعٍ مَا كَانَ يَدْخُلُهُ أَحَدٌ إِلَّا هُمْ، فَلَمَّا شَاهَدُوا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الصُّوَاعَ مِنْ رَحْلِهِ غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَخَذَ الصُّوَاعَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَضَعَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِي مَنْ وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمْ فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ هُنَاكَ لَمَّا رَجَعُوا بِالْبِضَاعَةِ إِلَيْهِمُ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ هم الذين وَضَعُوهَا فِي رِحَالِهِمْ، وَأَمَّا هَذَا الصُّوَاعُ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ فَلِهَذَا السَّبَبِ غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ أَنَّهُ سَرَقَ، فَشَهِدُوا بِنَاءً على هذا الظن، ثم بينهم غَيْرُ قَاطِعِينَ بِهَذَا الْأَمْرِ بِقَوْلِهِمْ: (وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ) .

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: فِي الْجَوَابِ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ فِي قَوْلِ الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.

قَالَ تَعَالَى: (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) [هُودٍ: 87] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وَقَالَ تَعَالَى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدُّخَانِ: 49] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا فَكَذَا هَاهُنَا.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي الْجَوَابِ أَنَّ ابْنَكَ ظَهَرَ عَلَيْهِ مَا يُشْبِهُ السَّرِقَةَ وَمِثْلُ هَذَا الشَّيْءِ يُسَمَّى سَرِقَةً فَإِنَّ إِطْلَاقَ اسْمِ أَحَدِ الشَّبِيهَيْنِ عَلَى الشَّبِيهِ الْآخَرِ جَائِزٌ فِي الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) [الشُّورَى: 40] .

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْقَوْمَ مَا كَانُوا أَنْبِيَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ ذَكَرُوا هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَازَفَةِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَاهَدُوا شَيْئًا يُوهِمُ ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا كَانَ يَقْرَأُ"إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ"بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ نُسِبَ إِلَى السَّرِقَةِ فَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ لَا حَاجَةَ بِهَا إِلَى التَّأْوِيلِ لِأَنَّ الْقَوْمَ نَسَبُوهُ إِلَى السَّرِقَةِ، إِلَّا أَنَّا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ أن أمثال هذه القراآت لَا تَدْفَعُ السُّؤَالَ، لِأَنَّ الْإِشْكَالَ إِنَّمَا يُدْفَعُ إِذَا قُلْنَا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى بَاطِلَةٌ، وَالْقِرَاءَةُ الْحَقَّةُ هِيَ هَذِهِ.

أَمَّا إِذَا سَلَّمْنَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى حَقَّةٌ كَانَ الْإِشْكَالُ بَاقِيًا سَوَاءٌ صَحَّتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ أَوْ لَمْ تَصِحَّ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت