(أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ)
فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الرَّجَاءُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ ظَنِّ الْمَنَافِعِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا، وَأَرَادَ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُمْ يَطْمَعُونَ فِي ثَوَابِ اللَّهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ مَا كَانَ قَاطِعًا بِالْفَوْزِ وَالثَّوَابِ فِي عَمَلِهِ، بَلْ كَانَ يَتَوَقَّعُهُ وَيَرْجُوهُ.
«فَإِنْ قِيلَ» : لِمَ جُعِلَ الْوَعْدُ مُطْلَقًا بِالرَّجَاءِ، وَلَمْ يَقَعْ بِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الْآيَاتِ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ
أَحَدُهَا: أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الثَّوَابَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَقْلًا، بَلْ بِحُكْمِ الْوَعْدِ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ
وَثَانِيهَا: هَبْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَقْلًا بِحُكْمِ الْوَعْدِ، وَلَكِنَّهُ تَعَلَّقَ بِأَنْ لَا يَكْفُرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا الشَّرْطُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لَا مُتَيَقَّنٌ، فَلَا جَرَمَ كَانَ الْحَاصِلُ هُوَ الرَّجَاءَ لَا الْقَطْعَ وثالثها: أن المذكور هاهنا هُوَ الْإِيمَانُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مَعَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ أَنْ يَرْجُوَ أَنْ يُوَفِّقَهُ اللَّهُ لَهَا، كَمَا وَفَّقَهُ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا جَرَمَ عَلَّقَهُ عَلَى الرَّجَاءِ
وَرَابِعُهَا: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ شَكَّكَ الْعَبْدَ فِي هَذِهِ الْمَغْفِرَةِ، بَلِ الْمُرَادُ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ يُفَارِقُونَ الدُّنْيَا مَعَ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، مُسْتَقْصِرِينَ أَنْفُسَهُمْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَلَمْ يَقْضُوا مَا يَلْزَمُهُمْ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ، فَيُقْدِمُونَ عَلَى اللَّهِ مَعَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، كَمَا قَالَ: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) [الْمُؤْمِنُونَ: 60] .
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الرَّجَاءِ: الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ فِي أَصْلِ الثَّوَابِ، وَالظَّنُّ إِنَّمَا دَخَلَ فِي كَمِّيَّتِهِ وَفِي وَقْتِهِ، وَفِيهِ وُجُوهٌ قَرَّرْنَاهَا فِي تفسير قوله تَعَالَى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) [الْبَقَرَةِ: 46] .