فهرس الكتاب

الصفحة 2476 من 2716

قال هاهنا: (الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ) بِتَقْدِيمِ الضَّالِّ وَقَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ: (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ) [الْوَاقِعَةِ: 92] بِتَقْدِيمِ الْمُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ؟

قُلْتُ: نعم، وذلك أن المراد من الضالين هاهنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنْهُمُ الْإِصْرَارُ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، فَضَلُّوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ وَلَمْ يُوَحِّدُوهُ، وَذَلِكَ ضَلَالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كذبوا رسله وقالوا: أَإِذا مِتْنا فَكَذَّبُوا بِالْحَشْرِ، فَقَالَ: (أَيُّهَا الضَّالُّونَ) الَّذِينَ أَشْرَكْتُمْ: (الْمُكَذِّبُونَ) الَّذِينَ أَنْكَرْتُمُ الْحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ مَا تَكْرَهُونَ، وَأَمَّا هُنَاكَ فَقَالَ لَهُمْ: (أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ) الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالْحَشْرِ (الضَّالُّونَ) فِي طَرِيقِ الْخَلَاصِ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى النَّعِيمِ.

وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ هُنَا مَعَ الْكُفَّارِ فَقَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أَوَّلًا وَكَذَّبْتُمْ ثَانِيًا، وَالْخِطَابُ فِي آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَيِّنُ لَهُ حَالَ الْأَزْوَاجِ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ: الْمُقَرَّبُونَ فِي رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وجنة ونعيم، وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سَلَامٍ، وَأَمَّا الْمُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهُمْ إِشَارَةً إِلَى كَرَامَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ أَقْوَى سَبَبٍ فِي عِقَابِهِمْ تَكْذِيبُهُمْ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ هُنَاكَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ: (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) [الْوَاقِعَةِ: 91] .

* «فَإِنْ قِيلَ» : الْأَهْيَمُ إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ الْكَثِيرَ يَضُرُّهُ وَلَكِنْ فِي الْحَالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأَهْلِ الْجَحِيمِ مِنْ شُرْبِ الْحَمِيمِ الْحَارِّ فِي النَّارِ لَذَّةٌ؟

قُلْنَا: لَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِبَيَانِ زِيَادَةِ الْعَذَابِ، وَوَجْهُهُ أَنْ يُقَالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الْحَمِيمِ وَلَا يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أَنْ يَشْرَبُوا كَمَا يَشْرَبُ الْجَمَلُ الْأَهْيَمُ الَّذِي بِهِ الْهُيَامُ، أَوْ هُمْ إِذَا شَرِبُوا تَزْدَادُ حَرَارَةُ الزَّقُّومِ فِي جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لَا مِنَ الْحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِنَاءً عَلَى وَهْمِ الرِّيِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت