لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مُقْتَضَى عِلْمِ الْإِعْرَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ فَمَا السَّبَبُ فِي حَذْفِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ؟
وَذَكَرُوا فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وُجُوهًا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّحْمَةَ تَأْنِيثُهَا لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ.
الثَّانِي: قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا قَالَ: (قَرِيبٌ) لِأَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْغُفْرَانَ وَالْعَفْوَ وَالْإِنْعَامَ بمعنى واحد فقوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) بِمَعْنَى إِنْعَامُ اللَّهِ قَرِيبٌ وَثَوَابُ اللَّهِ قَرِيبٌ فَأَجْرَى حُكْمَ أَحَدِ اللفظين على الآخر.
الثالث: قال أنضر بْنُ شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ وَمِنْ حَقِّ الْمَصَادِرِ التذكير كقوله: (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ) [البقرة: 5 ا 2] فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ لِأَنَّ الْمَوْعِظَةَ أُرِيدَ بِهَا الْوَعْظُ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ قَالَ الشَّاعِرُ: إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ ضُمِّنَا ... قَبْرًا بِمَرْوَ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ
قِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمَاحَةِ السَّخَاءَ وَبِالْمُرُوءَةِ الْكَرَمَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ ذَاتُ مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمُحْسِنِينَ كَمَا قالوا: حائض ولابن وتامر أَيْ ذَاتُ حَيْضٍ وَلَبَنٍ وَتَمْرٍ.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَخْبَرَنِي الْعَرُوضِيُّ عَنِ الْأَزْهَرِيِّ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ عَنِ الْحَرَّانِيِّ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ قَالَ: تَقُولُ الْعَرَبُ: هو قريب من وَهُمَا قَرِيبٌ مِنِّي وَهُمْ قَرِيبٌ مِنِّي وَهِيَ قَرِيبٌ مِنِّي لِأَنَّهُ فِي تَأْوِيلِ هُوَ فِي مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنِّي وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا قَرِيبَةٌ وَبَعِيدَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى مَعْنَى قَرَبَتْ وَبَعُدَتْ بِنَفْسِهَا.