قَوْلُهُ (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ)
يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الحق لأن كُلَّ مَوْجُودٍ فَهُوَ إِمَّا وَاجِبٌ لِذَاتِهِ، وَإِمَّا مُمْكِنٌ لِذَاتِهِ، فَالْوَاجِبُ لِذَاتِهِ لَيْسَ إِلَّا الْوَاحِدُ.
وَمَا سِوَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ مُمْكِنٌ.
وَالْمُمْكِنُ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِإِيجَادِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ، وَكُلُّ مَا حَصَلَ بِإِيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ كَانَ مُلْكًا لَهُ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا سِوَى ذَلِكَ الْمَوْجُودِ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ فَهُوَ مُلْكُهُ وَمَالِكُهُ فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالَ (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) .
* فِي تَفْسِيرِ هَذَا السُّكُونِ قَوْلَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الشَّيْءُ الَّذِي سَكَنَ بَعْدَ أَنْ تَحَرَّكَ، فَعَلَى هَذَا، الْمُرَادُ كُلُّ مَا اسْتَقَرَّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الدَّوَابِّ، وَجُمْلَةِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: قَالُوا فِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَهُ مَا سَكَنَ وَتَحَرَّكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كَقوله تَعَالَى: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النَّحْلِ: 81] أَرَادَ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ، كَذَلِكَ هُنَا حَذَفَ ذِكْرَ الْحَرَكَةِ، لِأَنَّ ذِكْرَ السُّكُونِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذَا السُّكُونِ مَا هُوَ ضِدُّ الْحَرَكَةِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ السُّكُونُ بِمَعْنَى الْحُلُولِ.
كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَسْكُنُ بَلَدَ كَذَا إِذَا كَانَ مَحِلُّهُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [إِبْرَاهِيمَ: 45] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: كَانَ الْمُرَادُ، وَلَهُ كُلُّ مَا حَصَلَ في الليل والنهار.
والتقدير: كل ما حصل فِي الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ سَوَاءٌ كَانَ مُتَحَرِّكًا أَوْ سَاكِنًا، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَوْلَى وَأَكْمَلُ.
وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ تَحْتَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ حَصَلَ فِي الزَّمَانِ فَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ انْقَضَى الْمَاضِي وَسَيَجِيءُ الْمُسْتَقْبَلُ، وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ الْحُدُوثُ، وَالْحُدُوثُ يُنَافِي الْأَزَلِيَّةَ وَالدَّوَامَ، فَكُلُّ مَا مَرَّ بِهِ الْوَقْتُ وَدَخَلَ تَحْتَ الزَّمَانِ فَهُوَ مُحْدَثٌ وَكُلُّ حَادِثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ الْفِعْلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ وَالْمُتَقَدِّمُ عَلَى الزَّمَانِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَقْتِ وَالزَّمَانِ فَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ الْأَوْقَاتُ وَلَا تَمُرُّ بِهِ السَّاعَاتُ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ وَسَيَكُونُ.