قوله (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) أَيْ لَا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمَّا تَكْتُمُونَهُ أَنْتُمْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُظْهِرْهُ لِأَنَّهُ
لَا حَاجَةَ إِلَى إِظْهَارِهِ فِي الدِّينِ، وَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ كَوْنَ الرَّسُولِ عَالِمًا بِكُلِّ مَا يُخْفُونَهُ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى تَرْكِ الْإِخْفَاءِ لِئَلَّا يَفْتَضِحُوا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ)
وَفِيهِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّورِ مُحَمَّدٌ وَبِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ،
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنُّورِ الْإِسْلَامُ، وَبِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ.
الثَّالِثُ: النُّورُ وَالْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَتَسْمِيَةُ مُحَمَّدٍ وَالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ بِالنُّورِ ظَاهِرَةٌ، لِأَنَّ النُّورَ الظَّاهِرَ هُوَ الَّذِي يَتَقَوَّى بِهِ الْبَصَرُ عَلَى إِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ، وَالنُّورُ الْبَاطِنُ أَيْضًا هُوَ الَّذِي تَتَقَوَّى بِهِ الْبَصِيرَةُ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ وَالْمَعْقُولَاتِ.