«فَإِنْ قِيلَ» : مَا مَعْنَى قَوْلِهِ (مَبْنِيَّةٌ) ؟
قُلْنَا لِأَنَّ الْمَنْزِلَ إِذَا بُنِيَ عَلَى مَنْزِلٍ آخَرَ تَحْتَهُ كَانَ الْفَوْقَانِيُّ أَضْعَفَ بِنَاءً مِنَ التَّحْتَانِيِّ فَقَوْلُهُ: (مَبْنِيَّةٌ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَوْقَ غَيْرِهِ لَكِنَّهُ فِي الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ مُسَاوٍ لِلْمَنْزِلِ الْأَسْفَلِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَنْزِلَ الْفَوْقَانِيَّ وَالتَّحْتَانِيَّ حَصَلَ فِي كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضِيلَةٌ وَمَنْقَصَةٌ، أَمَّا الْفَوْقَانِيُّ فَفَضِيلَتُهُ الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ وَنُقْصَانُهُ الرَّخَاوَةُ وَالسَّخَافَةُ، وَأَمَّا التَّحْتَانِيُّ فَبِالضِّدِّ مِنْهُ، أَمَّا مَنَازِلُ الْجَنَّةِ فَإِنَّهَا تَكُونُ مُسْتَجْمِعَةً لِكُلِّ الْفَضَائِلِ وَهِيَ عَالِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ وَتَكُونُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ، وَقَالَ حُكَمَاءُ الْإِسْلَامِ هَذِهِ الْغُرَفُ الْمَبْنِيَّةُ بَعْضُهَا فَوْقَ الْبَعْضِ، مِثَالُهُ مِنَ الْأَحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ فَإِنَّ بَعْضَهَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى الْبَعْضِ وَالنَّتَائِجُ الْآخِرَةُ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ تَكُونُ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ بَلْ تَكُونُ فِي الْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ كَالْعُلُومِ الْأَصْلِيَّةِ الْبَدِيهِيَّةِ.