فَإِنْ قَالُوا: مَا السَّبَبُ فِي أَنْ نَسَبَ الْبَرَاءَةَ إِلَى اللَّه وَرَسُولِهِ، وَنَسَبَ الْمُعَاهَدَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ؟
قُلْنَا قَدْ أَذِنَ اللَّه فِي مُعَاهَدَةِ الْمُشْرِكِينَ، فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَاهَدَهُمْ ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَأَوْجَبَ اللَّه النَّبْذَ إِلَيْهِمْ، فَخُوطِبَ الْمُسْلِمُونَ بِمَا يُحَذِّرُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه وَرَسُولَهُ قَدْ بَرِئَا مِمَّا عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
«فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَهْدَ؟
قُلْنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ الْعَهْدَ إِلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ مَسْتُورَةٌ وَيَخَافَ ضَرَرَهُمْ فَيَنْبِذَ الْعَهْدَ إِلَيْهِمْ، حَتَّى يَسْتَوُوا فِي مَعْرِفَةِ نَقْضِ الْعَهْدِ لِقَوْلِهِ: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) [الْأَنْفَالِ: 58] وَقَالَ أَيْضًا: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) [الْأَنْفَالِ: 56]
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ لِبَعْضِهِمْ فِي وَقْتِ الْعَهْدِ أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى الْعَهْدِ فِيمَا ذُكِرَ مِنَ الْمُدَّةِ إِلَى أَنْ يَأْمُرَ اللَّه تَعَالَى بِقَطْعِهِ.
فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَطْعِ الْعَهْدِ بَيْنَهُمْ قَطَعَ لِأَجْلِ الشَّرْطِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فَتَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ وَيَنْقَضِيَ الْعَهْدُ وَيَكُونَ الْغَرَضُ مِنْ إِظْهَارِ هَذِهِ الْبَرَاءَةِ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَى الْعَهْدِ، وَأَنَّهُ عَلَى عَزْمِ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ، فَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ نَقْضُ الْعَهْدِ ألْبَتَّةَ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْغَدْرِ وَخُلْفِ الْقَوْلِ، واللَّه وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ اللَّه تَعَالَى: (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ) [التَّوْبَةِ: 4]
وَقِيلَ: إِنَّ أَكْثَرَ الْمُشْرِكِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ إِلَّا أُنَاسًا مِنْهُمْ وَهُمْ بَنُو ضَمْرَةَ وَبَنُو كِنَانَةَ.