قَولُهُ: (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) فِيهِ سُؤَالَانِ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا مَعْنَى كَوْنِ الْمُحْكَمِ أُمًّا لِلْمُتَشَابِهِ؟
الْجَوَابُ: الْأُمُّ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ الْأَصْلُ الَّذِي مِنْهُ يَكُونُ الشَّيْءُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْمُحْكَمَاتُ مَفْهُومَةً بِذَوَاتِهَا، وَالْمُتَشَابِهَاتُ إِنَّمَا تَصِيرُ مَفْهُومَةً بِإِعَانَةِ الْمُحْكَمَاتِ، لَا جَرَمَ صَارَتِ الْمُحْكَمَاتُ كَالْأُمِّ للمتشابهات وقيل: أن ما ثَبَتَتْ إِلَى أَنْ يَبْعَثَهَا، فَعَبَّرَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِلَفْظِ الْأَبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَبَ هُوَ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ تَكْوِينُ الِابْنِ، ثُمَّ وَقَعَ فِي التَّرْجَمَةِ مَا أَوْهَمَ الْأُبُوَّةَ الْوَاقِعَةَ مِنْ جِهَةِ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ قَوْلُهُ (مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) [مَرْيَمَ: 35] مُحْكَمًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُتَأَكَّدٌ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي يَجِبُ رَدُّهَا إِلَى ذَلِكَ الْمُحْكَمِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَالَ: (أُمُّ الْكِتابِ) وَلَمْ يَقُلْ: أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ؟
الْجَوَابُ: أَنَّ مَجْمُوعَ الْمُحْكَمَاتِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَمَجْمُوعَ الْمُتَشَابِهَاتِ فِي تَقْدِيرِ شَيْءٍ آخَرَ وَأَحَدُهُمَا أُمُّ الْآخَرِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) [الْمُؤْمِنُونَ: 50] وَلَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَجْمُوعَهُمَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.