وَذِكْرُ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ جَمِيعًا فِيهِ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنْ مِنَ الْأُمُورِ مَا يُبَادِرُ الْأَبُ إِلَى التَّحَمُّلِ عَنِ الْوَلَدِ كَدَفْعِ الْمَالِ وَتَحَمُّلِ الْآلَامِ وَالْوَلَدُ لَا يُبَادِرُ إِلَى تَحَمُّلِهِ عَنِ الْوَالِدِ مِثْلَ مَا يُبَادِرُ الْوَالِدُ إِلَى تَحَمُّلِهِ عَنِ الْوَلَدِ، وَمِنْهَا مَا يُبَادِرُ الْوَلَدُ إِلَى تَحَمُّلِهِ عَنِ الْوَالِدِ وَلَا يُبَادِرُ الْوَالِدُ إِلَى تَحَمُّلِهِ عَنِ الْوَلَدِ كَالْإِهَانَةِ، فَإِنَّ مَنْ يُرِيدُ إِحْضَارَ وَالِدِ أَحَدٍ عِنْدَ وَالٍ أَوْ قَاضٍ يَهُونُ عَلَى الِابْنِ أَنْ يَدْفَعَ الْإِهَانَةَ عَنْ وَالِدِهِ وَيَحْضُرَ هُوَ بَدَلَهُ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى الْإِيلَامِ يَهُونُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَدْفَعَ الْإِيلَامَ عَنِ ابْنِهِ وَيَتَحَمَّلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَوْلُهُ: (لَا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ) فِي دَفْعِ الْآلَامِ (وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) فِي دَفْعِ الْإِهَانَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: (لَا يَجْزِي) وَقَوْلُهُ: (وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ) لَطِيفَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِعْلَ يَتَأَتَّى وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَكُونُ مِنْ شَأْنِهِ لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا كَانَ يَخِيطُ شَيْئًا يُقَالُ إِنَّهُ يَخِيطُ وَلَا يُقَالُ هُوَ خَيَّاطٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَحِيكُ شَيْئًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ صَنْعَتَهُ يُقَالُ هُوَ يَحِيكُ وَلَا يُقَالُ هُوَ حَائِكٌ، إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَنَقُولُ الِابْنُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ جَازِيًا عَنْ وَالِدِهِ لِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَالِدُ يَجْزِي لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّفَقَةِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْوَالِدِ لَا يَجْزِي وَقَالَ فِي الْوَلَدِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ.