قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ)
قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» فِي اللَّهِ أَيْ فِي ذَاتِ اللَّه، وَمِنْ أَجْلِهِ.
يُقَالُ هُوَ حَقُّ عَالِمٍ وَجِدُّ عَالِمٍ أَيْ عَالِمٌ حَقًّا وَجِدًّا وَمِنْهُ حَقَّ جِهادِهِ.
وَهَاهُنَا سُؤَالَاتٌ:
السُّؤَالُ الْأَوَّلُ: مَا وَجْهُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ وَكَانَ الْقِيَاسُ حَقَّ الْجِهَادِ فِيهِ أَوْ حَقَّ جِهَادِكُمْ فِيهِ كَمَا قَالَ: (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) ؟
وَالْجَوَابُ: الْإِضَافَةُ تَكُونُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَاخْتِصَاصٍ، فَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ مُخْتَصًّا باللَّه مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَفْعُولٌ لِوَجْهِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ صَحَّتِ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: مَا هَذَا الْجِهَادُ؟
الْجَوَابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ قِتَالُ الْكُفَّارِ خَاصَّةً، وَمَعْنَى حَقَّ جِهادِهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ إِلَّا عِبَادَةً لَا رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا مِنْ حَيْثُ الِاسْمِ أَوِ الْغَنِيمَةِ
وَالثَّانِي: أَنْ يُجَاهِدُوا آخِرًا كَمَا جَاهَدُوا أَوَّلًا فَقَدْ كَانَ جِهَادُهُمْ فِي الْأَوَّلِ أَقْوَى وَكَانُوا فِيهِ أَثْبَتَ نَحْوَ صُنْعِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: هَلْ يَصِحُّ مَا نُقِلَ عَنْ مُقَاتِلٍ وَالْكَلْبِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التَّغَابُنِ: 16] كَمَا أَنَّ قَوْلُهُ: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) [آلِ عِمْرَانَ: 102] مَنْسُوخٌ بِذَلِكَ؟
الْجَوَابُ: هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ لِقوله تَعَالَى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها) [الْبَقَرَةِ: 286] فَكَيْفَ يَقُولُ اللَّه وَجَاهِدُوا فِي اللَّه عَلَى وَجْهٍ لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَكَيْفَ وَقَدْ كَانَ الْجِهَادُ فِي الْأَوَّلِ مُضَيَّقًا حَتَّى لَا يَصِحَّ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنْ عَشَرَةٍ، ثُمَّ خَفَّفَهُ اللَّه بِقَوْلِهِ: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) [الْأَنْفَالِ: 66] أَفَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُطَاقُ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُ مَنْسُوخٌ.